نشرة غير دورية تصدر من الجمعية المصرية للبحوث الثقافية والروحية
مقالتها تعبير عن تجربة كاتبيها يحاولون بها أن يتواصلوا معكم متطلعين أن يكونوا سائرين على طريق الحياة نحو أصل الحياة

اتصل بناE-mail us
 stepsontaheroad@stepsontheroad.org

أبحث في هذه الصفحة 

 

 
 
 
التأملات
 « الصفحة الأولى | الصفحة الثانية »

رسالة إلى عقلي --- رسالة حب --- قطر الندى --- تأمل في رحلة الصعود إلى الجبل--- الدنيا .. ماذا تعني تلك الكلمة .. ؟


 

تعاليم الدين بين الحرف والمعنى
حديث السيد علي رافع


تأملات من وحي يثرب للسيد رافع محمد رافع
تقدمها د. علياء رافع


التنمية الروحية ونهضة مصر
عائشة رافع


باب الشفاء
بقلم داليا الشوربجي


الطاقة الكامنة في الفكر
أميرة العدوى


التأملات والدراسات

ما هو معني الطريق لي؟
أمينة هدايت

 
ماذا تعلمت من ظاهرة الإتصال الروحي؟
رافع السلاموني

 
تأملات في معنى الصلاة
رياض دلشاد

  
إرهاصــات إنسانية
الأستاذ دكتور/ على    محمد على عبد الله

 
نقطة الحق ودائرة الوجود
حسن العسيلي


عن الفعل .. وفاعله
ورد الفعل .. والتفاعل
أماني أنور المفتي

 
رسالة إلى عقلي
علا بدوي


رسالة حب
مأمن مصطفى محمود

 
قطر الندى
فاضل الحسن


تأمل في رحلة الصعود إلى الجبل جبل موسى
إيناس عامر


الدنيا .. ماذا تعني تلك الكلمة .. ؟
أحمد عبد الرحمن


أدبيات

حياة ..ابيض ..واسود
علي محمود


العودة
هدى عز العرب


المسرح الكبير و المخرج العظيم


خواطر شعرية
محمد حلاوة


غِيَّة الحمام
بقلم نيفين صدقي


عرض كتاب

عشرة أسرار للنجاح والوصول إلي السلام الداخلي
كتاب للكاتب وين داير
تعرضه: ماجدة المفتي


الخمسة أشخاص الذين تقابلهم في السماء
للكاتب ميتش البوم
تعرضه:نورا أحمد رافع


عند قدمي الإمام
لكريشنا مورتي
تقدمه: باسنت موسى وإجلال السلاموني


سبعة معلمين وطريق واحد
للكاتب الطبيب النفسي
جون سلبي
تعرضه: مأمن مصطفى محمود


الأوثان لميخائيل نعيمة
عرض: مها زكريا ومحمود عبد اللطيف



شخصية العدد
سيدنا الإمام أبو الحسن الشاذلى
قراءة: مرفت...  ومها جوهر


أخبارنا
صدر للسيدة نيفين صدقي وهي من أسرة "خطوات على الطريق" عمل مسرحي يحمل عنوان: فينكا. وقد خرج للجمهور مرة على مسرح "سيكم" بناء على ترشيح من د. إبراهيم أبو العيش وإخراج: ...(أرجو وضع الاسم)، ومرة أخرى على مسرح ساقية الصاوي. وقام بالتمثيل عدد من أعضاء أسرتنا الروحية. فمن هي "فينكا؟ مها جوهر ومحسن إمام يقدمان للقاريء قليلا من الانطباعات عنها.

خلوة سبتمبر 2005
الحرية


إصدارات سابقة
الإصدار الأول
الإصدار الثاني

   


التفاعل هو بمثابة النور الذي يضئ لفاعله الطريق فيفتح الله عليه، وصدق التفاعل يحول فعل الإنسان إلى إيمان ويقين ومحبة..
إيمان بأنه ليس في وسعه القيام بعمل سواه ..
ويقين بأنه أصبح سبيله في الحياة..
ومحبة للعمل خالصة لوجه الله.
والتفاعل ليس هو رد الفعل، بل إن رد الفعل نقيض للتفاعل. فالتفاعل يكون بتوحد القلب والعقل والروح، والتوجه بهم لأخذ السبل والوسائل للوصول إلى الهدف المراد ولكن دون وضع أي شكل أو صورة محدده للنتيجة.
أما رد الفعل فمنبعه الأنا والهوى والعواطف والمشاعر المصاحبة لهم، والتي تبث في الإنسان قوة لا تضاهى ( آه لو أن الإنسان تفاعل بها، لأحسن توجيهها ) وهذه القوة تؤدى بدورها إلى فعل عشوائي قد يصيب وقد يخيب، وعلى الأرجح أن الفاعل سيندم عليه، فلو أنه صبر على نفسه حتى تهدأ أناه، لأصبح فعله ليس رهناً لهواه، بل بنفسه أخذ نفسه إلى أعلاه، وخرج من هذه النفس فأصبح خارج الفعل ليس هو بفاعل ولا بمفعول به، أي أنه قد تحرر من أناه.
وكي يتجنب الإنسان ردود الأفعال النابعة عن الأنا، فعليه ألا يأخذ أي فعل فُعِل به بصفة شخصية، أي عليه أن يضع أناه جانباً وينظر للفعل بنظرة كلية، ومهما كانت قوة الفعل وقت إنطلاقها فإن كان الإنسان في صفاء واتزان فهي لن تمسه ولن تجد مردود لحظي لها فستمر عليه وتتعداه لأنه قد ارتفع إلى أعلاه. وحينما يستعد للرد، فلن يكون "رد فعل" ولكنه الفعل الحق النابع من التفاعل الحي الجامع والموحد للعقل والقلب والروح، فهو بذلك يكون مالكاً لنفسه وبالتالي متغلباً على الموقف مهما عظم، وهكذا أصبح سلطاناً عليه وليس عبداً لهواه ولا مملوكا لأناه فقد نجح في الخروج من الدائرة المغلقة لردود الأفعال التي إن دخلها الإنسان سلبته إرادته.
أما لو أن الإنسان قد أصاب في رد فعله أحيانا فحذار من أن يسوء حاله لأن أناه ستملكه، ويصبح تحرره من قيودها أصعب وهنا وجبَ على الإنسان أن يرجع البصر إلى داخله .. إلى ربه يلجأ إليه ويستعين به ويدعوه، حتى تتثنى له رؤية أوضح لحقيقة فعله.
أما إن كان الإنسان في صفاء واتزان أصبح رد فعله نابعاً من تفاعله الجامع بين عقله وقلبه وروحه فبهذا الاتزان فقط يتوحد الضدان فيجتمع التفاعل ورد الفعل بسرعة فائقة ينخدع بها البعض فيميلوا إلى الظن أن التفاعل هو رد فعل لحظي لسرعة انطلاقه، فلا يدركون أن واقع الأمر أنهما قد اجتمعا وتوحدا بفضل فطرة الإنسان السليمة الناتجة عن صفاءه واتزانه وقت وقوع الفعل، وبتوحيدهما أصبح الفعل الناتج عنهما فعل حق فهو الفتح ذاته الذي أنعم الله به على الإنسان حين توحد وعمل بكل المعطيات التي وهبها الله له فيعود لفطرته. فلينتبه الإنسان وليجاهد ويجتهد حتى لا يفقد فطرته التي فطره الله عليها وفرقه بها عن باقي مخلوقاته، وليحافظ الإنسان على هذا الصفاء والاتزان في كل حياته فيجعل إرادته ملكاً له وطوعاً لإشارته فيصبح ملكاً، أليس الملك من ملك نفسه وذاته؟ فليطمئن قلب الإنسان حتى تنكشف عنه الحجب وتتجلى له وتتفتح بصيرته فيهنأ بعيشته.

 

أنا لا أعلم ما الذي جعلني أكتب إليك هذه الرسالة ، ربما لأنك أخذت مكانة الملك المتوج أو ربما حتى الإله في حياتي وحتى وقت قريب...كنت لا أرى إلا من خلالك ، كنت أشفق على من ليس عنده مثلك . يا لسذاجتي وغبائي !!!ولكني اليوم عرفت حدودك .في البداية ثُرت عليك اتهمتك إنك أضعت سنين عمري هباء... ولكني تدريجيا عُدت إلى اتزاني وأدركت إنه لا يجب أن أقع في نفس الخطأ مرة أخرى بتتويج قلبي ورفضي لك...فكلاكما ضروري لنموي الروحي ...فأنت يا عقلي سوف تساعدني بإذن الله على التمييز ، في نفس الوقت الذي سيساعدني قلبي على الصفاء والتعامل مع فطرتي . فلا غنى عندي عن أحدكما . لذلك أنا أعتذر لك يا عقلي إن كنت قد أسأت استخدامك ، فلا ذنب لك في هذا ...رؤيتي المحدودة كانت السبب. وبفضل الله واستجابته لطلبي عاد إلىّ التوازن في هذا ، وعرفت معنى أن البداية دائما من الإنسان .
حتى لا أرى إلا وجهك الكريم

اشعر بداخلي إنني اصرخ واصرخ وأتوسل إليك يا ربي آلا تتركني... أنا أعلم و أنا متأكدة أنك تمد لي يد العون لكي أتخلص من كل أصنامي واحد بعد الآخر... وأنا متمنية ذلك ولكن التجربة تعتصرني ... وحدي لن أصل لشيء ولكن بك وبإذنك تعالي سوف أصل لكل شيء... وأنا أكتب في هذه اللحظة أشعر بيد العون ممدودة لي... أعلم إنها دائما ممدودة ولكن للأسف أحيانا انشغل بالمشكلة نفسها ولا أراها ولكني في هذه اللحظة فقط رايتها... هي هنا لتقول لي “لا تقلقي يا صغيرتي، ما هذا إلا تطهير ضروري... فأنت مازلت متمسكة بالدنيا وما فيها. وبما أنك طلبتي أن يكون مقصودك وجه الله فقط لا غير ، فعليك تحمل النار لكي يتحول التراب إلي فخار جميل ... ولكن احذري ، فحتى وقتها لن يكون الخطر قد زال ، فالفخار من الممكن أن ينكسر لو لم نحافظ عليه ... فالرحلة طويلة وشاقة يا صغيرتي ولكن أري في عينيك الرغبة في أن تسيري في الطريق لنهايته و أنا لن أخذلك... فعليك فقط الاستمرار في الطلب الصادق وتحمل مشقات طريقك" و أنا أجيبك يا ربي " ها أنا أسلمك نفسي تماما ، أفعل بي ما شئت ، فأنا منك وإليك وأنا كلي ثقة أنك سوف تظل بجانبي حتى نهاية الطريق، حتى أصل لليوم الذي لا أري فيه إلا وجهك الكريم".

 

هذه ليست قصة و إنما هي واقع معاش كل يوم و ذنب نقترفه في كل لحظة دون أن ندرى .........
تبدا الأحداث منذ أن كنت طفلة صغيرة تتلمس الطريق في الحياة و ترى الحياة بعيون والديها و من حولها .. فهم كل كونها.. و قد كان لأمي طبع قاس و عنيف و أنا بعقلي المحدود لم أدرك طبيعتها أو افهم سببها فأسقطت ذلك على نفسي و اعتقدت أني فاشلة و دائما استحق العقاب و لا استحق أي تقدير...و لكن شيئا فشيئا بدأت أخاف من أمي حتى الرعب و بدأت أتحاشى التعامل معها أو النظر في عينيها أو حتى التحدث معها في أي شيء و كونت سدا عظيما بيني و بينها و حصرتها في تلك الصورة المرعبة و القبيحة و كم من ليلة أفقت فيها على كوابيس مفزعة و أنا آري أمي تحاول قتلي أو إيذائي إيذاء عنيفا و استيقظ كل صباح على آلام نفسية مبرحة و أتنقل في كل الأماكن حاملة ذلك الحزن الدفين.
و ظلت تلك المشاعر تكبر في يوم بعد يوم و أنا غير مدركة لهذا الوحش الكائن بين جنباني و تحول كل هذا الخوف إلى رفض كبير و عنف في تعاملي مع أمي بمجرد أن أوتيت القوة لاعبر عن هذا الرفض و ظلت الصورة هكذا و دون أن ادري أسقطت أمي من حساباتي فهي ليست ممن أعدهم أحبابا و لن تكون ممن اطلب منهم الشورى في أمري ..... و تعاملت معها من هذا المنطلق و من تلك النظرة المحدودة التي كبرت معي على مر السنين و حكمت عليها بالسجن فيها مدى الحياة .....
و على حسب ظني اعتقد أنها صدقت أنها كذلك و لن تكون غير ذلك...........
حتى جاء اليوم الذي انتقل فيه والدي عن الحياة و بدأت حياتي و حياة من حولي تختلف اختلافا جذريا لتمرض أمي مرضا شديدا حزنا على وفاة أبى فينهد فجأة هذا الجبل المرعب إلى إنسان حقيقي يحتاج إلى المساعدة و العون حتى لو كانت تلك المساعدة تتمثل في دعاء بسيط أو ابتسامة متمنية لها الشفاء.
و لاول مرة أراها ضعيفة تحتاج الحنان و الحب ..لاول مرة أدرك أنها إنسان آخر غير من عرفت على مدار السنين الماضية ليجيء دوري أنا و اخوتي لنرعاها نحن هذه المرة و يعلم الله بمدى إخفاقنا أو نجاحنا في رعايتها ....و هل وصلها إحساسنا بهذا العون أم لا ؟ و لكن المرض لم يكن كفيل وحده ليزيح من على عيني حجابها فجاء انتقال أمي عن الحياة و انزاح الحجاب لارى الصورة واضحة جلية .........
صورة جعلتني دكا و خارت قواي و انهار السد العظيم فالحقيقة كانت غير كل ما كان و مرت الأحداث كشريط للذكريات و وأيقنت كم كانت أمي تحبني و كم كانت شخص حنون رحيم لا يعرف أي شيء عن القسوة لا تعرف من الحياة إلا الحب .... هي ذلك الإنسان الذي يعيش الحياة بقلب طاهر لا تدنسه أي كراهية أو حقد و إنما نقاء و محبة خالصة ترتدى قناع الشدة فهي الطريقة التي عرفتها للتعبير عن هذا الحب و وجدتها إنسان رائع يفنى في معنى الخدمة للآخرين و يحمل من الأخطاء مثل كل الآخرين. فأدركت أنى قد حرمت نفسي بنفسي من أم عظيمة و صديقة وفية ....أدركت انه ليس للحب صورة و لا للرحمة صورة و لا للنقاء صورة و لا للطيبة صورة.
و أدركت أي جرم عظيم نقترف حينما نحكم على الآخرين و نسجنهم في هذا الحكم كل هذا العمر و المؤلم أننا لا نفعل ذلك عادة إلا مع اقرب الناس و احبهم إلينا .
و كانت نهاية الدرس أن أدركت أن من حكمت عليه كل هذا العمر هو أنا و ليس غيري
فسيظل الإنسان دائما اكبر بكثير من كل وصف و حكم و سيظل اعظم من أي صورة .
و وجدتني و قد رحلت أمي عن الحياة و تركت لي حملا ثقيلا ناء به كاهلي و حطم فؤادي فقررت أن أتحرر من ذنبي و اغفره لنفسي . فوجدت أن أول طريق الغفران أن اعترف بهذا الذنب
فإليكم أخواني اقدم تجربتي عسى أن تمنع أحدا عن الاستمرار في الخطا أو تحمي آخرين من الوقوع فيه ....فعسى بذلك أن يتم لي الغفران .
و إليك أمي أتوجه بالدعاء أن يجازيك الله بكل خير بقدر ما لاقيت في حياتك معنا و إن شعرتي بي يوما فسامحيني فلم يكن إلا عن جهل و سوء تقدير.
و إليك ربي وضعت حملي فلمن تكلني سواك و أنت الغفور الرحيم و لمن الجا و ليس لي في الكون سواك
و لمن ابكي ذنبي و لا اعرف من يكفكف الدمع سواك .... لمن الجا و قد خلى علي الوجود فلم أجد سواك موجود.
مأمن مصطفى محمود

 

جلست أمام الكمبيوتر .. وضغطت مفتاح التشغيل .. ففتح نوافذ أدخلتني إلى
الإنترنت .. أطوف محلقا بآفاقه وأغوص بين ثناياه . عالم أنطوى بين يدي حتى شعرت
برغبة في التوقف قليلا .. تحول مرمى البصر من شاشة الكمبيوتر إلى أناملي ، ثم
إلى الطاولة وما فوقها ثم التفت يمينا حيث النافذة المطلة على البحيرة التي
تليها غابة جميلة .. فلفتت انتباهي قطرة ندى متشبثة بزجاج النافذة من الخارج ..
تأملت تشبثها القوي وقدرتها على التغلب على قوة الجاذبية الأرضية .. الزجاج
مصقول بمهارة ، والارتفاع عن الأرض يجعل مجرد التفكير بعدم الانزلاق أمراً
مستحيلاَ .. بقيتُ أنظر إلى القطرة ... وهي تنظرُ لي تارة وتنظر إلى الأرض وإلى
الزجاج وإلى السماء تارة أخرى .. اختلست النظر ثانية باستغراب وتعجب وإعجاب ..
وكانت ترمقني بحيرة وخوف وخجل .. لم أفهم لسان حالها لكنني أحسست أنها تود أن
تقول شياً ما .. واصلتُ النظر والانتظار .. .. وبعد فترة بدأت قواها بالانهيار
، فأخذت ترخي أناملها وأذرعها وأقدامها وشفتيها فانزلقت شيئاً فشيئاً حتى وصلت
إلى أسفل الزجاج ثم خرجت من الإطار وارتطمت بالأرض . قمت من مكاني وانحنيت أفتش
عنها في الأرض فوجدتها قد تناثرت إلى قطرات .. رحت أفتش لعلي أجد فم القطرة في
بطن قطرةٍ من القطرات .. فزحفت قطرة نحو أختها .. تلامستا ثم استمرتا بالعناق
حتى توحدا في قطرة ٍِتمكنتَ من الحديث معي بلسان واحد .. فسألتها عن حالها ..
وكيف استطاعت أن تصمد على سطح زجاج النافذة كل هذا الوقت ؟ وما الذي جعلها
تنهار فجأة ؟ فقصت لي أغرب الحكايات .
قالت لي إنها تكبرني سناً، فقد خُلقت منذ آلافٍ بل آلاف آلاف من الأعوام ..
كانت كالملكة التي تعيش منعمة مصونة في بطن بحيرةٍ هادئةٍ خلابة تحت جبل راسي ٍ
... كانت مكنونة . لا ترى أنواراً زائفة ، ولا تسمع ضوضاء مزعجة ولا تئن او تمل
... ولا تتعب أو تعيا .. قطرة في بحيرة في بطن جبل محكم بصخور ووديان صلبة لا
يأتيها دخيل ولا يسكنها بخيل .. من شدة الظلام كانت ترى نور الحقيقة ، ومن سواد
الصمت كانت تسمع تسبيح المسبحين ، وبفضل الأمن والأمان كانت تعيش بسلام وسكينة
... وفجأة قررت ومجموعة من القطرات الأخريات أن يبحثن عن مكان آخر وعن دور آخر
... فأخذن يجمعن قواهن .. ويجمعن .. ويجمعن حتى أصبحن أقوى من الحجر فاندفعن معا
في كل اتجاه فتشقق الحجر وانبجس منه الماء . خرجن يجرين لأول مرة بهذه العجلة
المتسارعة من قمة الجبل حتى بلغن مصب النهر بشلال أشبه بالمصعد الكهربائي الذي
اختصر عليهن الوقت موصلهن إلى بداية النهر ، تاركاً لكل قطرة أن تشق طريقها
كيفما تشاء . فاتخذت إحداهن سبيلها إلى فم بقرة كانت ترتوي من النهر ، ومضت
أخرى تواصل جريانها في مساربه ، واختارت ثالثة أن تذهب لقلة إنسان انتشلها من
النهر وحملها ليبيعها في المدينة . أما أنا فمازلت أريد المزيد وأبحث عن المزيد
وأطلب المزيد ، فقررت أن أطير فباركت الشمس قراري ، وأرسلت أشعتها نحوي فتبخرتُ
وحملتني الريح على بساطها فارتفعت شيئاً فشياً حتى مررت بغيمة كبيرة كثفتني
معها فتمكنت من مرافقتها في رحلة الطيران المثيرة . أطوف فوق الحقول والوديان ،
وبشموخي أرقى قمم الجبال ، حرية لم أشعر بها من قبل ، ولم أعشها من قبل ، لقد
كنت كملكة أو أميرة في بطن ذلك الجبل أسيرة ، واليوم أذهب أينما أريد .. أبطئ
الخطى متى أشاء وأسرع أو أطير بلا جناح او عناء .. ولكن هذه الحرية لم تدم
طويلا ، فقد اخترقتنا قوة لم أسمع

مثلها قط .. قوة لا تُرى ولا تُسمع فرغتَ في بطن غيمتي شحنات مزلزلة ، فدوى صوت
هزيم أرهب غيمتي التي لم تقوى على المزيد من الصمود ، ففتحت ذراعيها ، فانهملنا
قطرات نتساقط عائدين للأرض ، منا من ماتت قبل أن تصل إلى الأرض فاستحالت هباءً
منثورا ، ومنا من استمرت بالصراخ وهي تهبط من خشيه ، ومنا من استطاعت أن تسبح
في فضاء الكون الواسع ، أما أنا فلم تكن لي الخبرة او القدرة ولا حتى الاختيار
فوصلت إلى الأرض وما إن ارتطمت بسطح زجاج نافذتكم .. حتى تشبثت بأذرعي وأقدامي
وشفطت الزجاج بشفتي خوفا من السقوط بالوحل والتربة المتسخة في حديقتكم .. فكنت
أراك وأنت تراني، وكنت أقرأ في عينك عين سؤالي ، ولكنني لا أريد أن أنبس ببنت
شفة خوفا من الانزلاق .. إلا أن مضي الوقت كان كفيلا بإجهادي وإرهاقي ،
فانزلقت حتى ارتطمت بأرضية شرفتكم بانتظار من يسحقني أو يرمي بي إلى أطراف ركن
مهمل أكون فيه شياً منسيا .
وخطر ببالي سؤال آخر . سألت القطرة عن شعورها الآن ؟ فقالت : أشعر
بندم بالغ وحزن عميق حارق .. لما أصابني من دوار وشعور بالهزيمة والانكسار ..
فقد كنت كالملكة في آمن مكان ، وكان الهدوء والظلام يعزفان .. لي وينسجان ..
أجمل خيوط النور وأعذب الألحان .. ترانيم لا تمل وأناشيد لا تنقطع .. وتسبيح
تفكر وتدبر . في مملكتي لم يكن هناك تعدٍ وتناحر ، ولا تصارع وتصادم .. لم
أرى ارتطام الصخور الصلبة وتحطمها إلا بعد أن خرجت من بطن الجبل .. ولم أسمع
أعاصير رياح صرصر إلا بعد أن خرجت من بطن الجبل ... ولم أنجرف مع أمواج
متلاطمة إلا بعد أن خرجت من بطن الجبل ، لم أشعر بمعنى السعادة والإثارة
والمغامرة ... والحزن والخوف والقلق وأفهم جميع معانيها إلا بعد أن خرجت من
بطن الجبل .. لقد عشت لفترة شعور بالسعادة ، وكانت سعادة غامرة عندما تعلمت
الجري والطيران ولكنها سعادة لم تدم طويلا .. في مملكتي كنت وكانت القطرات
والصخور والتربة والهواء نعيش جميعنا في سكون وصمت مطبق واستقرار فكان حوارنا
وتواصلنا بعضنا مع بعض يجرى عن طريق الاتصال الروحي والذبذبات ، لا نعرف معنى
الملكية الفردية ولا نطمح للتحرك أو التنقل بدافع المنافسة وحب الذات .. أما
عالمكم فمليء بالحركة والصخب والأنانية والتفاوت والتناقض بين الطيران الرافع
للأعلى والتكثيف المهبط للأسفل .
أنا جد حزينة .. حائرة مسكينة .. أين أذهب والى من ألجأ ليعيدني إلى مملكتي
أو ينتشلني من هذا الضياع .. ! !
فتحركت إنسانيتي وجاشت عواطفي ومشاعري وقلتُ للقطرة : أرجوك لا تحزني .. ولي
أذني .. أن أرفعكِ الآن وأضعك بين شفتي .. وأرشفك وفي بطني تدخلي .. ثم بقلبي
أو عقلي او في أي خلية من خلايا جسدي .. يكون لك مقاما ومستقرا ، ومنبع حنان
وبشائر ومسرة وأعدك .. بأنني سأبذل قصارى جهدي لأعصم نفسي وأنأى بها عن كل ما
شاهدته في عالمنا من تصارع وتناحر ، وتعدٍ وتلاطم ، وخوف وقلق وحزن ، وكل صفة
ذميمة قبيحة تؤدي بي وبك إلى مهالك الردى ، أرجوك إذني لي بأن أصحح لك
الانطباع فتعود لك البسمة والسعادة والمملكة ويكون لي أجر وثواب الحفاظ على
نفسي والحفاظ عليك ولنمضي معا خُطوات يتحقق لنا بها الارتقاء ، حينئذ رسمت على
ملامح القطرة سعادة غامرة وابتسامة عريضة ، وتسليماً مطلقاً وقبولاً كريماً
لدعوتي . فرشفتها وبدأت رحلة الحياة الحقيقية.. أراقب نفسي وأكفها عن الخطايا
وأبعدها وأحميها من مخاطر الغفلة ومواطن الزلّة . وأصبحت القطرة تراقبني دائما
وأراقبها.. فصرت لها مملكتها الجديدة وصارت لي الضمير الحي اليقظ
 

 

كنا تسعة وأنا العاشرة .. وكانت الرحلة هي هي نفسها .. إنما الغريب هو الرؤى المتعددة، والتفاعلات المختلفة، والتعليقات المتباينة لكل منا نتيجة للأفكار المختلفة في التجربة الحياتية الخاصة لكل منا.
كان هذا التباين واضحاً لي لدرجة تجعلك تتسائل هل كانت الرحلة هي نفسها الرحلة ..!
علمتني رحلتي هذه هذا التباين الذي يحدث بالفعل ويقع فيه معظم البشر مع تعرضهم لنفس المؤثر ..! ولسنا بمعزل عنها، فكلها صحيحة كما علمتني هذه الرحلة أيضاً لغة الرمز، أي أنه من خلال الرمز إشارة إلى ما هو أبلغ و أعمق، وما الحركة المادية لنا كذلك إلا رمزاً أو إشارة ..
حركة داخلية نتيجة لتغيير في رؤية وتحول في الوعي .
أسئلة كثيرة همت برأسي، لماذا هذه الرحلة .. ؟ ولم كل هذه المشقة..؟ سيرٌ لمسافاتٍ طويلةٍ بالصحراء بين الجبال، ثم المشقة الكبرى في الصعود إلى الجبل .. الطريق وعرٌ وطويلٌ جداً والجو بارد قارص ويزداد برودة كلما صعدنا ... لِمَ كل هذه المعاناة ؟ ومن أجل ماذا؟
هل هي لمجرد فكرة الصعود إلى الجبل أم هي لاكتشاف شيء جديد غريب؟ أم هي لمجرد مشاهدة منظر الشروق؟ وهل يستحق منا ذلك كل هذ المعاناة؟ فلو كانت الإجابة بنعم فالأفضل عدم الخوض في التجربة
أما لو كانت هناك فرصة كبيرة من أجل حدوث هذا الكشف والخروج بمغذى ومعنى تعكسه هذه الرحلة وما فيها من مشقة فنعم وألف نعم.
أصبحت الرموز واضحة ومشيرة إلى معنى الحياة والسبل التي علينا اقـتـفاؤها لنسير عليها وكأن الجبل هو الحياة، ومصاعب الحياة هي الطريق الوعر الذي علينا أن نسير فيه ونخوض بهمة وجلد حتى ننتصر بذلك على صعوبات الحياة وتجارب الحياة التي تعترضنا بحلوها ومرها، لا تهم فيها الأسماء ولا الأزمان ولا الأشكال ولا مكان حدوثها ولاحتى أوصافها إنما الفكرة من دخول التجديد في حد ذاتها والخروج منها بنتيجة ترفعنا درجات؛ لتسمو بأرواحنا في عالمي الغيب والشهادة في وقت واحد.
علمتني الرحلة أيضاً كيف أقرأ ملامح الوجوه .. مرسوم على الوجوه نوعاً من الذهول والرهبة والشعور بالجلال والعظمة المنعكسة عليهم من هذا المكان المقدس، فهو ينصح على كل شيء
على الجو نفسه .. على السماء والسحاب على سفح الجبل وقممه وعلى وجوه العباد
ألم يصعد موسى إلى الجبل ونزل إلى قومه وهم المفتونون بغرائزهم منشغلين بأمورهم الحياتية ومهمومين بمصالحهم المادية إلى هذا الحد، وهو المأخوذ بهذه العظمة والروعة والجمال الدافيء المتسامي وفي لحظة شروق تبعث الشمس بأولى ومضاتها على قمم الجبال فتراها كسلسلة مختلفة ألوانها، متباينة أحجامها وأشكالها وكأنها أمواج تلاحق بعضها البعض في تناغم وسكون .. لحظة من لحظات الكون الكبير لحظة شروق شمس على الانسان لحظة شروق لمن يريد إشراق بالأمل وتحول وتغيير في رؤيته لنفسه ولموقفه وللعالم الذي يحياه، ولا يسعك إلا أن تقول و أنت عاجز عن التعبير سبحانك با الله يا عظيم يا جميل { اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى} اخلع عنك رزائلك، تطهر من ذنوبك، انزع عن نفسك أهواءها وغرورها وقيودها لاستقبال كلمات الله { فكلم موسى ربه تكليما }.
مرحلة تتفوق فيها على نفسك الأمَّارة بالسوء، طوراً جديداً تتـعرف من خلاله ومن خلال عثرات نفسك غلى نفسك العليا فتعلو بها إليها.
فلنعمل فقط ما علينا بقلوبنا ولا نجزع للنتائج ولا ننتـظرها ولا نرتبط بها، نعمل بقوة وبإخلاص للرحمة التي تملأ الكون والتي هي من وراء كل شيء في الوجود، وما الإنسان إلا تعبير حي عن مكنونه الداخلي من خلال تفاعله مع الأحداث لتتفجر حينذاك رؤيته في عمله والذي يهم هو أن يصبح هذا الإنسان إنساناً بحق؛ حتى تتـزن أفعاله ويسبق في ذلك فكره ورأيه قبل فعله..
لاشيء يُعذِّب الإنسان مثل بعده عن طلب الأحسن والأفضل والأعلى ولن يتغير حاله إلا إذا عرف السِّرَّ فأصبح طالباً للأفضل بكل جوارحه بجد وإخلاص، ولأنني طالب لمزيد من القرب بل في القرب ذاته طلبي والقرب معرفة وحب واستقرار وائتـناس و أمل تأتي التجارب متهللة فأجزع كثيراً، و أحلها أحياناً برحمة وقوة من عنده مما يزيدني إصراراً على خوض المعارك من أجل كسب التجارب والنجاح في حلها؛ حتى تصقل قدراتي ويزداد ميزان حسناتي كي تصبح أرضي ممهدة وخصبة لاستقبال ماء الحياة، فتنمو بذلك بذرة الحق فيها .. إذا قال الانسان تعبيراً حياً عن مكنونه الداخلي ماساً بذلك بيئته وثقافته من خلال تفاعله مع الأحداث لتنفجر حينذاك رؤيته في قوله أو عمله.
وما الحياة إلا فرصة أتيحت للإنسان حتى يُخْرِج من داخل أعماق وجوده ثروته الحقيقية كنزاً دفيناً ذو بصمة نورانية خاصة به، فيندهش عندما يكشف له أولاً ثم الآخرون من حوله إذ يرون نصراً لهم في مجال رؤيتهم الروحية المتŸ