|
الدنيا ... تلك الكلمة التي تعبر لدى الكثيرين
عن الحياة .. كنت أحاول أن أرى أو أجد لها
معنى, فاشتققت معناها من لفظها, فباتت تعني
بالنسبة لي معنى الدنو, ذلك المعنى الذي يتضح
بنقيضها " عُليا " ... لكن ما أقساني من عابث
حاول الوصول لمعنى لها.
إننا لا نبرح أن نصب باللوم كل اللوم على
الدنيا وما فيها, وننسى أن نتسائل إذا ما كانت
الدنيا هي المسئول الأول عن أخطائنا فكيف يحيا
فيها الصالحون ولا يخطئون خطأنا ..؟؟
إن هذا ما يوجه تفكيرنا إلى نحو واتجاه آخر,
فما هي الدنيا ؟ ألا تعني الحياة في هذا
العالم, إذاً فماهي الحياة ؟ أليست الحياة هبة
من الله يـَمُن بها على من أراد من خلقه,
وماهي الهبة؟ ولما توهب لمن وهبت له؟ إنها
مِكنة من الله للمرء إن رشد في استخدامها
أثمرت فيه فيثمر لمن حوله.. إنها تلك الفرصة
للكسب الحقي, ومَنْ حاد بها عن الجادة فقد ضل
سواء السبيل.
ومن ثم تراءى لي أن الدنيا هي ثلاث:
( فرصة وهبت للمرء.. مرآة له عن نفسه .. مقياس
لتقويم أمره )
هي فرصة له, وما أعظمها من فرصة ومنحة؛ فإنها
كالحقل المليء بكل شيء من مأكل ومشرب مختلف
ألوانه, وعُمْرُ المرء فيها كبعض من الوقت
أتاحه صاحب هذا البستان لعابر سبيل وأبان له
ما صلح من نباته وما فسد منه, ثم ترك له أن
يعد لنفسه ما شاء من زاد لرحلته, فإن أساء
وأخطأ الاختيار ثم أدرك خطأه قبل انتهاء وقته
في البستان وعمل على إصلاحه كان خيرا له, وإن
لم يفعل فما أصابته من سيئة فمنه, وحين ينتهي
الوقت ويبدأ رحلته الجديدة فلسوف يجني ثمار
اختياره, ويدرك أخطاءه, فيأمل أن تكون له كرة
أخرى ليصلح ما أفسدته يداه.. لأن كل ما يلقاه
في رحلته من جوع وعطش ماهو إلا لقاء ما أضاعه
من الوقت الممنوح له وقت وجوده في حقل الدنيا.
وهي مرآة له عن نفسه؛ فحين يضيء مصباحا في
غرفة مظلمة وينعكس ضوء المصباح على وجهه وهو
أمام مرآة فإنها تعكس له وجهه منيرا؛ لأنه
منير, و إن كان الضوء مسلطا أو موجها على
المرآة دون وجهه فلن تعكس إلا صورة حقيقة
لوجهه المعتم أو المظلم, كذلك هي الدنيا؛
لأنها تمثل بحياته وسلوكه الذي يتبعه في كل
صغيرة وكبيرة من أمور حياته تمثل صورة حقيقية
لما يؤمن به, ولما يستقر في قلبه من اعتقاد
وإيمان, تلك الصورة المنعكسة هي سلوك المرء
ومشاعره وفكره.
وهي مقياس له لتقويم أمره وصلاح حاله؛ وذلك
يوم ينظر لها على أنها مرآة لحقيقة أمره,
لحقيقة ما يقوم فيه؛ وذلك من خلال مراقبته
لنفسه ولما يقوم به ويفعله ( ليس الإيمان
بالتمني ولكنه بما وقر في القلب وصدقه العمل)
فإن هو قام في ذلك فسيدرك دوما خطأه إن أخطأ,
وسيعرف دوما كيف يصلح ذلك الخطأ يوم يريد
الصلاح بصدق.
إن كل ما استطعته هنا هو أني سألت هل تأخذ
الدنيا المرء دون إرادته أم برغبته ؟؟ يقينا
برغبته وإلا لكان الخلق جميعا من أهلها, ولكن
هناك من كانوا لنار أو جنة وهناك من لا يردون
غير وجه الله بديلا ...
|