|
"التنمية الروحية" المشار إليها
هنا هي تواصل الإنسان مع النور الكامن فيه واكتشافه
لامكانات هائلة: |
| |
• عقل قادر بدرجات متفاوتة على
التحليل والتركيب وفهم العلاقات المنطقية بين الأشياء.
• قلب يتطلع إلى أصله الروحي وتذوق لمشاعر أرقى مما
هو مادي.
• جوارح تتطلع لخدمة البشر دون طمع أو أنانية.
• تذوق معنى الوحدة الإنسانية وإدراك الأصل الروحي
لكل البشر.
• إحساس بالحياة الأكثر دواما من الحياة الموقوتة.
و"النهضة" هنا هي الثمرة الطبيعية للتنمية
الروحية.. تقوم على مستوى فرد، أو مجتمع، وملامحها
كالآتي:
• لا إهدار لأي قدرات أو مواهب بشرية أو طبيعية أو
خبرات إنسانية.
• الهدف الكلي للحياة هو التحقق الإنساني وهو هدف
يجمع الأهداف الجزئية في تناغم.
• الوحدة الإنسانية أساس العلاقات رغم وجود
الاختلافات.
• احترام حرية كل إنسان أو مجموعة في التعبير عن
نفسها.
• تحول الاختلافات في الفكر والمفاهيم والعقائد إلى
تكامل وإثراء متبادل.
• علاقات سوية وسلمية مع المجتمعات الخارجية دون
تبعية أو تقليد أعمى، ودون نزوع للسيطرة أو غطرسة أو
كبرياء. |
|
بعض ملامح "التأخر أو التراجع
أو الهبوط أو التخلف" طبقا لهذه الرؤية هي:
|
| |
• إهدار القدرات وعدم التمييز
بين ما هو جوهري وما هو هامشي في أي موضوع، أي
الاهتمام بالسطحي من الأمور على حساب ما هو أساسي
وعميق.
• التخبط، والجمود والتقليد، وشيوع الخرافة.
• الاهتمام بأي شيء يقتصر على الحياة المادية
والأهداف الجزئية المتناثرة.
• انتشار الصراعات لأسباب مختلفة منها الانتماءات
الدينية أو المذهبية أو الطبقية.
• افتقار القدرة على إقامة علاقات سوية بالمجتمعات
الخارجية، لا استفادة من خبرات الآخرين، ولا تجارب
أصيلة ملهمة لهؤلاء الآخرين.
|
|
عالم اليوم غربا وشرقا
يفتقر إلى نموذج لـ "النهضة" المقترحة على مستوى
الدول: |
| |
• فهناك من يحسن استعمال العقل
والمنهج العلمي ولكن ينحصر في رؤية محدودة للحياة تخدم
"الذاتية" المادية.
• وهناك من لديه الموروث الروحي العظيم إلا أنه فرّغه
من مضمونه فشاعت روح التقليد والجمود وبالتالي غاب
جوهر التعاليم وغابت معه الرؤية الأعمق للحياة.
|
|
نهضة مصر بين الظهور
والاختفاء
النهضة المصرية في كل العصور تميزت بعنصرين أساسيين:
أولا: الوعي بأن الإنسان روح ممتدة، وعقل
قادر على كشف قوانين الكون، وعمل مثمر ماديا
ومعنويا في تناغم.
ثانيا: التجدد الدائم باستيعاب أي فكر جديد والتفاعل
معه أخذا وعطاء دون الانخلاع من الجذور. حدث ذلك على
مر العصور: |
| |
1. استقبال الفكر الفلسفي
اليوناني واستيعاب أساطينه الثلاثة سقراط وأفلاطون
وأرسطو بكل سلاسة، بعد انهيار الحضارة المصرية القديمة
منذ حوالي عام 1085 ق. م. ودخول الاسكندر إليها عام
332 ق. م.، فتظل مكتبة الإسكندرية التي أنشأها بطليموس
الأول حوالي عام 300 ق. م. منارة لنحو ثمانية قرون،
وحتى عام 529 م.
2. احتضان تعاليم السيد المسيح بسلاسة وشوق. ولم تشهد
مصر صراعا بين الكنيسة وبين العلماء كما شهدت كنيسة
الغرب، ولم تكن الرهبنة في مصر هروبا أو احتقارا لحياة
الدنيا بل كانت قوة لمقاومة القهر السياسي، ودرسا
عمليا في فهم معنى أوسع وأعلى للحياة بلا تناقض.
3. الترحيب بالإسلام عام 610 م. بعد حقبة جديدة من
التراجع الحضاري في القرن السادس الميلادي، فتنتعش
"تجربتها المختزنة" من جديد، لتعطي نموذجا حضاريا
فريدا، في إفرازها لعلماء وأدباء وفقهاء وعلوم وفنون
وعمارة متميزة.
4. الهام من يأتي إليها من مخزونها الحضاري. فالإمام
الشافعي مثلا أعاد صياغة كتبه، وتصحيح آرائه وأعلن
للناس ألا يأخذوا من آرائه إلا ما كتبه في مصر.
5. التناغم بين القديم والوافد الجديد. ففي مصر كانت
تعقد حلقات كثيرة لدراسة القرآن وتفسيره ودراسة
الأحاديث وعلوم اللغة، وتعقد حلقات أخرى لدراسة كل ما
كان في مصر من معارف الأقدمين من مصريين ويونان ورومان
وفرس وهنود، وبهذا تميزت عن سائر المدن. وكان الفقيه
الليث بن سعد (93-175 ه.) يتقن العربية لغة الإسلام
والقبطية لغة آبائه الأولين وكان يتقن أيضا اليونانية
واللاتينية مما يسر له التعرف إلى ميراث علوم الأسلاف،
واستيعاب معطيات الحضارة المطروحة على العقل المصري.
6. الرؤية المتكاملة الزوايا فمصر شهدت تجربة ناضجة
في مجال التناغم بين "الحقيقة" و"الشريعة"، أي بين
"الروحانيات" و"السلوك"، أي بين "حياة الداخل" و"حياة
الخارج" في إطار فهم للحياة ككل وليس مجرد جزيئات
متناثرة. |
هل تختلف تلك "النهضة" في
جوهرها عن الحضارة التي تحققت في الغرب؟
نستطيع الوصول إلى إجابة عن هذا التساؤل بتأمل رحلة
الإنسان الغربي التي قطعها عبر العصور حتى وصل لحضارته
الحديثة. وقد مر بمراحل متعددة: |
| |
1. قبل القرن الحادي عشر
الميلادي كان الإنسان الغربي يعتقد أنه ملوث بالخطيئة،
وبالتالي فتفكيره لابد وأن يقوده للهلاك. كما كان هناك
إلغاء تام لقيمة حياته في هذا العالم، الحياة كلها
للآخرة، وبالتالي فرغبات الجسد محتقرة ويجب كبتها
والخجل منها. وكان اختلاط العقيدة بالخرافة والأساطير
يمثل جدارا كثيفا من الرفض لمعرفة جديدة وافدة لأوروبا
من العرب المسلمين ومن معارف اليونانين ممثلة في
أرسطو.
2. تغيرت رؤية الإنسان لنفسه وللعالم في عصر النهضة
بإيطاليا.. اكتشف أنه قادر على أن
يبدع الجمال ويراه فيما
حوله. صارت فكرة أن ذكاء
الإنسان وإرادته تضلله بالضرورة فكرة غير مقبولة وغير
مصدقة، وبعد أن
كانت المثالية هي ترك الاهتمامات بهذا العالم أصبح
الانغماس فيها والتمتع بها هو التفوق بعينه. فيكتب
ليونارد بروني عالم الإنسانيات الإيطالي عام 1433
"عظمة الإنسان في النشاط".
3. زادت رؤية التبجيل للإنسان في القرن 16، 17 على يد
فرانسيس بيكون ورينيه ديكارت بإبداع "أدوات ومناهج
بحث" للوصول إلى "معرفة مؤكدة". بالملاحظة والتجربة
يستطيع الإنسان أن يصل من الجزئي والملموس إلى الكلي
والمجرد، وهو المنهج الاستقرائي في البحث. وازدادت
الفجوة بين الناس وبين الكنيسة.
4. الإنسان في القرن السابع عشر عصر العلم الحديث
يتسم ب"العبقرية".
هذا القرن شهد صداما بين
الجمود وبين حركة قوية وحيوية جارفة تجاه العلم
والمعرفة أي التجدد والحياة.كانت الذروة في محاكمة
جاليليو وإذلاله وإجباره على التراجع عن نظرية
كوبرنيكوس بأن الشمس هي محور المجموعة الشمسية وليس
الأرض. وفي نفس العام
الذي يموت فيه جاليليو 1642 يولد اسحق نيوتن الذي قدم
أول نظرية علمية متماسكة عن الكون المادي وقوانين
الحركة.
5. الإنسان يقفز قفزة واسعة بتطبيق المعرفة العلمية
في مجالات الزراعة والتعدين والملاحة وفروع من الصناعة
وصحة الإنسان. وبدأ العلم والاختراع يسيران جنبا إلى
جنب. هنا بدأ ما يسمى "الإيمان بالعلم". في هذه
المرحلة ورغم اتساع الفجوة بين الناس والكنيسة لم يكن
هدف كبار العلماء هو هدم الإيمان بالله وبالمقدس ولكن
الدفاع عن قدرة العقل الإنساني على الوصول للحقيقة. لم
يكن عند العلماء أنفسهم صراع بين الإيمان وبين العقل
والعلم ، فنجد جاليليو مثلا يقول "إن تجلي الله في فعل
الطبيعة لا يقل بحال ما عن تجليه في آيات الكتاب
المقدس"، ويرى اسحق نيوتن أن كل شئ في الكون يدل على
وجود خالق واحد متعال يعمل من خلال قوانين الطبيعة
المحكمة.
6. جذور الإلحاد:
اكتشاف الإنسان لقدرات عقله أعطاه من الثقة فيه إلى حد
أن يقول المفكر الفرنسي فولتير (1694-1778) مثلا:
"التمييز بين الخطأ والصواب ينشأ من العقل نفسه" ويصر
فولتير -فيما سمي بعصر التنوير- على أنه لا حاجة ولا
ضرورة لرسالات سماوية بل إن الاعتقاد في الرسالات
السماوية-على حد تعبيره- يؤدي بالناس إلى "عدم التسامح
والغباء والقسوة".
7. مع "التقدم" صارت "القيم" التي كانت تقدمها
العقيدة المسيحية من : التواضع، الطهارة والعفة
والبساطة والصبر على الآلام والحزن لا قيمة لها بل
مرفوضة، أما القيمة الأساسية هي أن يكون الإنسان
"نافعا اجتماعيا". وأصبح الهدف هو أن يتقدم المجتمع من
جيل إلى جيل تجاه حياة مريحة وميسرة "في هذا العالم" ،
وبدأت "نغمة" القول بأن "الإيمان" بدين ما يتعارض
بالضرورة مع "العقل" و"الحرية" تتردد فيضع دافيد هيوم
(1757) "الدين" و "العقل" وكأنهما طرفي نقيض لا يمكن
أن يلتقيا ويقول إن الشعور الديني ينتج من جذور عميقة
في الإنسان تميل إلى "الخرافة". هذه النغمة بالربط بين
الدين والخرافة أخذت تعلو في القرن التاسع عشر والقرن
العشرين. ساعد فيها أيضا اكتشاف سيجموند فرويد للاوعي
أو العقل الباطن. ومع هذا الاكتشاف يبدأ التركيز على
الغريزة الجنسية في الإنسان كدافع للسلوك. ويبدأ
الاتجاه السائد بأن "المادة" هي أساس أي تفكير أو حركة
للإنسان. ويبدأ وضع "اللذة الحسية" كغاية مطلقة للفرد
وكدافع لكل سلوك. ومع شيوع رؤية الإنسان لنفسه ككائن
حسي بدأت "نغمة" رفض الأديان وإقرانها بالخرافة
تتعالى، فيصف سيجموند فرويد التمسك بالدين بأنه
"اضطراب عصبي متسلط على البشرية". ويعلن فريدريك نيتشا
(1844-1900) "موت الله" ولا يرى في الإنسان إلا
"النزوع للقوة" وينكر تماما وجود عالم آخر مثله مثل
برتراند راسل الذي يرى أن إحساس الإنسان بوجود الله لم
يكن إلا نتاج خوفه من الطبيعة الغاشمة وجهله بكيف يحمي
نفسه، هذا الإحساس-على حد تعبيره-اختفى لأن العلم أعطى
للإنسان القوة وهو يحميه من الخوف من المجهول. لقد ظل
تأثير اكتشافات سيجموند فرويد قويا وشائعا بين البشر
بقوة على مدى النصف الأخير من القرن التاسع عشر والنصف
الأول من القرن العشرين إلى درجة منعت أي تأثير مماثل
لآخرين منهم عالم النفس الكبير كارل جوستاف يانج الذي
كشف عن "بعد" آخر في الإنسان هو البعد الروحي أو
"النقطة الثابتة" التي هي "المقدس" في الإنسان أو
"حقيقته" التي لا يحقق "النضج النفسي والاستواء" دون
اكتشافها وتنميتها والتواصل معها . عرف العالم كله في
القرن العشرين عظمة ألبرت أينشتاين كعالم ساهمت نظريته
في قفزات في مسيرة العلم ولكن لم يهتم أحد برؤيته
للإنسان واحتياجه للتدين. يصف أينشتاين شعور التدين
عند العالم بأنه "ينشأ من هذا الاندهاش الممزوج
بالنشوة من تناغم
القانون الطبيعي الذي يكشف عن قانون متفوق تتضاءل
بجانبه تماما كل قدرات البشر في التفكير أو وضع سلوك
نظامي".
8. في العقود الأخيرة من القرن العشرين بدأ شعور ما
يسود بالفراغ الروحي، وبدأ يتسرب لقطاع من البشر
وينتشر بسرعة. هذا هو "العصر الجديد"، ثورة الاتصالات
يصاحبها نزوع جامح للروحانيات. ولأن المؤسسات الدينية
التقليدية لا تعطي للناس ما يشبعها روحيا فالجماهير
تتجه لمعتقدات الشرق الأقصى من البوذية والهندوكية.
|
|
ما المطلوب منا الآن لنحقق نهضة
جديدة ومتجددة؟ |
| |
نحن اليوم نحتاج استعادة
التجربة المصرية في تحقيق التناغم الكامن بين العقل
والروح والمادة من خلال إنعاش البُعد الروحي في
الإنسان، وهو الذي يقود الإنسان للإدراك بأن العمل
المخلص في كل مجال، وحسن استعمال قدراته الإبداعية،
وملكات العقل والعلم هو جزء أساسي من التنمية الروحية.
وهي التي تأخذ الإنسان بعيدا عن التطرف في حرفية
تعاليم الدين وإشاعة التعصب بين البشر.
وحين نقول "التجربة المصرية" فنحن لا نعني التعصب
القومي أو العرقي، وإنما نعني "تجربة إنسانية" من
الممكن أن تتحقق في أي ثقافة، لكنا نستطيع استلهامها
من خصوصيتنا الثقافية في كل العصور وصولا إلى الثقافة
الإسلامية. وحين نقول "الإسلامية" فنحن أيضا لا نستبعد
أي ديانة أخرى حيث أن المسيحي في مصر هو عنصر أساسي من
عناصر التجربة المصرية، والتناغم بين المسلم والمسيحي
في عصور النهضة يتم خلاله إبداع نفس الثقافة بسلاسة مع
احترام خصوصية العقيدة.
الدور الحضاري لمصر يتلخص في أن تستعيد الروح المفقودة
وتعيش نموذجا تنمويا تقدمه للعالم يرتكز على مفهوم
أعمق لرحلة الإنسان على الأرض والهدف الأساسي منها وهو
تحقيق "معنى الإنسان". |