
| |
 |
|
يقدم هذا الكتاب طريقة جديدة للتأمل ،
والجديد فيها أنها مستقاة من سبعة معلمين للروحية. وفي حين
يقدم الكاتب هذا العمل بعد سنوات طويلة أمضاها في حياته
المهنية كطبيب نفسي وأستاذ لعلم مقارنة الأديان، إلا أنه يكتب
أيضا من واقع خبرة اكتسبها وهو طفل صغير حين كان دائما في صحبة
جده في مزرعته .. هذا الجد الذي اكتشف التأمل عن طريق الفطرة.
فيقول جون سلبي أنه تعلم من جده معني الصمت , والجلوس أوقات
طويلة بدون التكلم أو الحكم علي الأمور أو الأشياء . ويقول إن
جده كان يحترم كل خلق الله . وكانت له جلسة خاصة تحت شجرته
المفضلة وقت الغروب , فقط يجلس [ ليكون ] , كان يعيش اللحظة ..
فكانت هذه بداية الطفل جون في التعرف علي معني التأمل .
والتأمل هو طريقة للتواصل الداخلي مع الحق , تقوم علي سكون
النفس .. والنقاء والهدوء . وبما أن البشر جميعاً مجبولون علي
الفطرة فإن إمكانية الوصول إلي الحقيقة مكفولة لمن فتح حقيقة
نفسه ، وفتح قلبه ليقيم الصلة مع أعلاه .
وأسلوب التأمل الذي يقدمه د. سلبي يقوم على أساس إحساسه الشخصي
بمباديء أساسية موجودة في كل رسالة سماوية أو فطرية تؤهل
الإنسان للوصول إلى السكون الداخلي والتواصل مع مصدر علوي
يعطيه النور والقوة والمدد الروحي. ومن هنا فهو ينتقي من سبعة
معلمين روحيين مبدأ من تلك المباديء ليظهر مدى الانسجام بين
جميع مصادر الحكمة على هذه الأرض. وهو حين يقدم ذلك لا يعني أن
يقول أن المعنى الذي استمده من معلم ما يقتصر عليه وتخلو منه
تعاليم معلم آخر، لكنه فقط قصد أن يقدم تلك الباقة من المعلمين
السبع لنكتشف نحن بدورنا وجود معاني مشتركة بين المعلمين
الروحيين جميعا. كما أن الترتيب الذي يضعه لا يتضمن سياقا
تاريخيا أو زمنيا، أو تقييما من أي نوع، إنما الترتيب يأتي في
سياق صياغة أسلوب التأمل الذي أراد أن يقدمه. ولنبدأ معه
خطواته.
1) أنا أتنفس بحرية – ( بتنجالي ) :

من أوائل الخطوات التي يبدأ بها المتأمل رحلته إلي الوصلة ،
هي كيفية خروجه من عالم أناه الضيق ، إلي الكون الفسيح الذي
يوجد بداخل كل منا . فكان التركيز علي حركة التنفس عند بتنجالي
، هو الطريق إلي ذلك الخروج . وبتنجالي حكيم هندي ، أمضي حياته
باحثاً عن فن و معني التأمل ، وكان وعي الإنسان عنده عنصر
أساسي في التأمل .
ومن المعروف أن جميع تعاليم اليوجا قد ركزت علي مراقبة التنفس
كخطوة أولي للتأمل ، ولكن ما ميز تعاليم بتنجالي هنا ، هو أنه
جعل التنفس حراً بلا أي محاولة للتحكم أو السيطرة . فبإمكانك
الآن أن تردد عبارة : " أنا أتنفس بحرية " ، وستلحظ بنفسك ذلك
التغيير في مستوى الوعي ، وستشعر بطاقة جديدة سارية فيك . و من
المعروف أن حركة التنفس تنقسم إلى ثلاثة مراحل هي:
1-الشهيق 2-الزفير 3-الفترة المؤقتة التي يتم فيها الاحتفاظ
بالهواء في الجسم
و يقول بتنجالى عن ذلك:إن مراقبة هذه المراحل الثلاث كما تحدث
على طبيعتها من خلال الزمان و المكان تجعلك تتعلم كيف تجعل
أنفاسك اكثر تناغما.
( 2) عقلي هادئ- ( لوتسو) :
تهدئة
الفكر هو الخطوة التالية للتنفس بحرية حيث أن التفكير الآلي
يأخذ الإنسان بعيدا عن معني الحياة فيه ، فلا يحيا أبداً في
حاضره . إن من اكثر ما يشعر الإنسان بالانفصال عن معنى الحياة
فيه هو انه لا يحيا أبدا في حاضره فهو إما راجع بخطوة إلى
الوراء ساجنا نفسه في أفكار عتيقة أو معتقدات زائفة أو حتى
أحداث قديمة مرت عليه و لا يزال عالقا بها.أو انه سابقا بخطوة
إلي المستقبل مسجونا في تخيلات لما يجب أن يكون عليه واقعه أو
لما يجب أن يحدث له في المستقبل و في انتظار لذلك الحدث و في
الحالين ليس هناك حياة بل موت لمعنى الإنسان بداخلنا.و لكي
نحيا في حاضرنا يجب علينا أن نخرج من سجن تلك الأفكار إلى حرية
أن تشعر بكل لحظة تمر عليك و ما يحدث فيها و تتفاعل مع تلك
الأحداث على قدرها. فكما يتفق جميع معلمي الروحية إن الجنة
الحقيقية الآن و هنا و لكن عملية التفكير هذه وظيفة طبيعية
للمخ و لا يمكن وقفها بسهولة.فكان أن تتعلم كيف تصبح شاهدا على
تلك الأفكار و أن لا تلتصق بها و أن تدعها تمر دون أن تأخذك
معها يمثل تحريرا
لأرواحنا من سجن الصور التي تصنعها عقولنا
المحدودة و تصر على أن تسجننا فيها. لنشعر بالسلام الداخلي
الذي يمنحه لنا التعامل المباشر مع كل ما يحدث لنا في كل لحظة
جديدة تمر علينا.
ولتحقيق هدوء الفكر يجب أن تخرج من سجن تلك الأفكار لتحقيق
الوعي بأن الإنسان جزء في كل، فيحدث التزاوج بين وعيك والوعي
الأعلى . هذا ما يقدمه لاوتسو المعلم الطاوي القديم الذي عاش
فوق جبال الصين ، وتوصل إلي أن تهدئة الأفكار تتم عندما تتسع
دائرة التركيز على أكثر من شيء مثل التركيز على سماع الموسيقي
أو مراقبة حركة التنفس فتتولد أفكار جديدة . فبإمكانك الآن أن
تركز على حركة التنفس لديك ثم تتسع
أكثر لتشعر بحركة الصدر
خلال حركة التنفس ثم تتسع
أكثر و أكثر لتشعر بنبضات قلبك ثم
أكثر و أكثر لتشعر ببقية جسدك أثناء التنفس مرددا عبارة عقلي
الآن هادئ و الحظ ذلك الاتساع لديك.
( 3) أنا
أقبل العالم كما هو - ( بوذا ) :
تذوق الإحساس بالقبول للعالم كما هو هي
لحظة وعي عميقة يتخطى بها الإنسان حدود الواقع الذي يصنع
الصراع داخل الإنسان. ويقول بوذا أن من أهم عوائق الرفض الذي
يتملكنا تجاه واقعنا أمرين :
(1) الكم الهائل من الموروث حول ما يجب وما لا يجب .
(2) الخوف من أن تخرج نفوسنا من المدى المحدود إلي مدى أوسع ،
فإن هذا الخروج بالنسبة لها غير آمن .
يقول بوذا: بوذا كيف لعقل يعاني أن يدرك الطريق كما يقول أيضا
نحن ما نفكر فيه. و في الحقيقة أن كل ذلك ما هو إلا وهم كبير و
محاولة من نفوسنا للبعد عن حقيقتها الرائعة. إن هذا هو ما
أدركه بوذا منذ آلاف السنين حينما أيقن أن الخسارة الحقيقة هي
أن تنفصل عن معنى وجودك برفضك أن تتصل أن تتعامل مع الله فيما
أعطاك من ظروف و أسباب للحياة. و الحقيقة العلمية تؤكد انك إذا
حكمت فانك لا تستطيع أن تحب لان الحكم يخرج من منطقة بالمخ
متصلة اتصال مباشر بمشاعر الخوف فكيف تستطيع أن تحب ما تخاف
منه؟ و بالطبع إن عدم القدرة على الحب هو انفصال عن معنى
الحياة بداخلنا و على حسب قول الكاتب فانك لا تستطيع أن تأخذ و
أنت قابض بيديك على شيء آخر فيجب أن تتخلى عن القديم لتستقبل
الجديد.
أما عن الخوف فانك إذا تأكدت انه لا
يوجد شيء يهددك ,حتى الموت لا يستطيع أن ينال منك فأنت حي
بإقامة الصلة و ستظل حيا حتى لو فارقت الأرض فهل من الممكن أن
تجعل الخوف يعيقك بعد ذلك؟
أغلق عينيك الآن وردد عبارة أنى اقبل العام كما هو عدة مرات و
انظر بصدق إلى ما يجول بخاطرك وقدر ما ترى بحق هل هو حقيقي أم
انه مجرد وهم؟
(4) أحب نفسي كما هي - ( المسيح عيسي )
:
الآن قد وصلنا في رحلتنا إلى القلب و
لكننا لم ندخله بعد إنما نقف فقط عند بابه و لكي ينفتح الباب
وجب أن نجد مفتاحه. و لكن المفتاح هذه المرة لن يكون فهم آخر
أو معتقد جديد لان الحب الذي هو مفتاح القلب ليس مفهوم و ليس
معتقد و ليس فكرة و إنما هو تجربة حية و تذوق شخصي لمعنى الحب
و أدراك للقانون الساري في رسالة عيسى الله محبة فالحب هو تلك
القوة العظيمة و الخلاقة القابعة فيما وراء كل حدث و كل خلق إن
الحب هو كل ما ليس له وصف و لا اسم.هو الحياة. ولكن إذا كانت
الحياة هي الحب فما الذي يمنعنا من أن نحيا ، ونشعر بالحياة
تدب في أوصالنا ؟ باختصار شديد لأننا لم نتعلم أبداً أن نحب
أنفسنا ، ونقبلها علي ما هي عليه ، أقبل حقيقة أنك خلق الله
الكامل وأحبها . فأغلق عينيك الآن وأنظر في هدوء إلي قلبك وقل
: " أنا أحب نفسي علي ما هي " . واشهد وأعرف من أنت.
(5) قلبي مفتوح للتلقي ، عون الله موجود - (محمد صلي الله
عليه وسلم ) :
في هذه المرحلة نتعلم أن نتسع لنخرج من
دائرة الأنا إلى حيث الكون الفسيح الكامن في اللحظة الراهنة في
كل منا . نتعلم أن نربط وعينا بالوعي الكلي . أن نفتح قلوبنا
للمدد النوراني الذي يمنحنا الحياة و يمررنا في كل الصعاب بلا
خوف و لا حزن.انه التسليم للفطرة السليمة في كل منا و الثقة
فيما تمليه علينا قلوبنا .انه المعرفة الحقيقية لهدف وجودنا و
المرجعية الأساسية لكل اختياراتنا . فإذا كان معنى التأمل أن
تسلم أرادتك لمعنى الحياة فيك و أن تدع جانبا الخوف و القلق من
المستقبل لتتعامل مع معطيات الحياة بكل إخلاص و كد سعيا إلى
كسب اكبر في لحظتك الراهنة دون أن تسجن فيما مضى أو ما سيأتي
فهل تكون حياة المسلم الحق إلا تأملا في كل لحظة يحياها .(قل
إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين). إن ما قدمه
لنا الإسلام هو طريقة فريدة للتأمل تستمر على مدار حياة
الإنسان بكاملها في توازن مثالي بين عمل الإنسان في مساحته
المحدودة و إدراكه لاحتياجه إلى مصدر النور و الحق و انه بدونه
لا شيء . فهو لا يستطيع أن ينفصل عن معنى الحياة فيه لا يستطيع
أن ينفصل عن مدده النوراني. عمل صالح و تفاعل صادق مع خلفية
إيمانية مدركة أن كل ما كان من معطيات و تعاملات و صفات ما هو
إلا ليسير بالإنسان إلى هدف وجوده . و قد تجلى هذا المعنى في
الصلاة حيث يؤدي المسلم خمس صلوات على مدار اليوم تتوافق مع
حركة الكون بأكمله في تذكير لحقيقة خلقه و من يكون . ليخرج
منها إلى الحياة عاملا فيها من خلال تلك الحقيقة . (الذين
آمنوا و عملوا الصالحات) ثم يعطينا الذكر مفتاحا للتسليم و
طريقا لان تفتح قلبك للعون و المدد . و قد أثبتت الدراسات أن
ترديد الكلمات مرات عديدة مع التنفس العميق يمكن أن ينقل
الإنسان إلى مستوى آخر تفقد فيه الأفكار سيطرتها على العقل
ويصل فيه الإنسان إلى حالة من السكينة و النقاء حيث تتم الوصلة
مع فطرته الحية (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) (الذكر جلاء
للقلب).و لكن هذا التسليم ليس بالعمل السهل و إنما هو حياة و
معارج و جهاد كبير . هذا التسليم يتطلب إيمان و يقين و جسر من
الثقة يمكن من خلالها للإنسان أن يسلم وجهه و مصيره لله . و
هذا الإيمان لن يجيء إلا بان نخوض التجارب الصادقة التي تكشف
لنا ما في قلوبنا من مرض و ما أن ينكشف نتعلم أن نلجا لمن ليس
لنا في الكون سواه مغيثا و رحيما و غفورا لندرك انه الشافي من
كل الجراح (هو الأول و الآخر والظاهر و الباطن) . فكما يقول
الكاتب أن بميلادك على هذه الأرض إنسانا فانك قد أتيت و معك كل
الضمانات أن تجرح و أن تتألم و لكن الاختيار الوحيد الذي تملكه
هو إما أن تحاول أن تشفي جراحك أو أن تبقى مجروحا تعاني من
الألم و تسجن فيه حتى تموت . إن اليوم الذي تدرك فيه ضعفك
واحتياجك إلى الله وتبصر فيه وجود الله معك ولك هو يوم الفتح و
النصر . هو يوم ينقلك إلى معراج آخر تتذوق فيه حلاوة الإيمان و
التسليم وتؤسس فيه بيت الله إنسانا يحيا بنوره وتنظر من عينيه
الحياة. فقد جاء محمد صلى الله عليه و سلم ليعلمنا إن الله قد
خلقنا ضعفاء و احترم فينا هذا الضعف فكان غفورا رحيما يغفر
الذنوب جميعا و أن إدراكنا لهذا الضعف هو ما يجعلنا كاملين . و
علمنا أن الله قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه . اقرب إلينا من
حبل الوريد . و لكن تحدينا الوحيد هو أن نتذكر أن ندعوه.فاغلق
عينيك الآن و ردد فلبي مفتوح....للتلقي ........عون الله موجود
. و لا تخشى ما ترى فان عون الله موجود
(6) أنا أعرف من أنا - ( جورد جيف ) :
جورد جيف : يوناني أرمني ، هو معلم ومكتشف لطرق الرقص والحركات
المقدسة والتأمل لمعرفة [ من أنا ] . فمنذ القرن الثامن
والتاسع انبثقت التعاليم الصوفية الروحية ، وانتشرت في وسط
أسيا وشرق أوربا ، فنهل منها جورد جيف .
الهدف الأساسي من التأمل هو أن تعرف عن نفسك ، و من تكون ،
فتعرف أكثر عن ربك [من عرف نفسه عرف ربه]. هذه المعرفة هي
الصحوة التي تخرجك من الموت إلي الحياة ، فتكسب بها هذا الوعي
الحي الذي تتواصل به مع معني رسول الله فيك ، لتتوحد معه وتصير
أرادتك هي أرادته .
أن تكون معرفتنا عن الله أنه الشاهد القابع وراء كل الأحداث
التي تجري حولنا ، وهو ما وراء الموت والحياة ، عند هذا العمق
فقط يحدث لك التوحد وتحياه الحياة الحقيقية . عليك أن تحيا
التجربة في كل لحظة من يومك ، لاشيء يحول بينك وبين حقيقتك إلا
أنت . فأغمض عينيك وردد : " أنا أعرف من أنا "
.
(7) أنا هنا الآن في النعيم - ( كريشنا مورتي ) :
المحطة الأخيرة . عَّلمنا المفكر العظيم كريشنا مورتي ، أن
ندخل علي قلب الأشياء ، بقلب وعقل مفتوح ، فنسمع منها ونراها
كما هي ، دون تصور مسبق أو معرفة تراكمية عن هذا الشيء .
عَرَّف لنا كريشنا مورتي ، أن النعيم أو الجنة ، هو ما يتفجر
في أعماقك ، عندما يتواجد في قلبك الحب والإيمان والثقة
والرحابة . يقول إنك بالبصيرة الكاملة ستجد كل الجمال ، وعندما
تجد الجمال يتواجد الحب ، وعندما يتواجد الحب فلا يوجد ما يمكن
أن تفعله أكثر من ذلك ، فإنك الآن في النعيم ، إنك الآن في
الجنة . فأغمض عينيك وردد : " أنا هنا .. الآن في النعيم .. "
وانطلق إلي حيث ما لا تصفه الكلمات.
إن ما قدمه لنا الكاتب في هذا الكتاب ، ليس بطريقة للتأمل ،
وإنما هو أسلوب حياة .
|