|
كبشرٍ
وكأطفالٍ نتساءل كثيراً:
ماذا بعد الحياة الأرضية؟
أيكون ما بعدها عدمٌ ؟
أنحن أجساد تعيش لفترة على الأرض ثم توارى التراب و تفنى؟
ما معنى حياتنا الأرضية؟ ما قيمتها ؟ ما معنى الشقاء أو المرض أو
السعادة أو التعاسة مما نلاقي و نحن على الأرض ؟
تؤكد
لنا الأديان
أن
لكل فعل مردودا
، و تدعونا إلى سلوك كل سبيل طيب ، و تنهانا عن البذيء من الأعمال
, تحث على تطهير القلب ، و العفو والإحسان ، و تدعونا إلى الزكاة و
تزكية النفس , تدعونا للصيام ؛كي تتطهر أجسادنا وأرواحنا , وتدعونا
للصلاة و ربط أنفسنا بالغيب, و تؤكد لنا أن أرواحنا ستتخلى
يوماً عن الرداء الأرضي, و تكمل رحلتها, و في
استكمال
الرحلة أمل و وعد للبشر ، وبشرى تحميهم من الوقوع في هاوية اليأس
المرتبط بالخوف من الفناء .
الكتاب ينقل لنا
تجربة السيد"روبرت هاج" ، والذي كان من رجال الدين المسيحي، و قد
رزق وهو على الأرض بشخصية تتميز بالحساسية و الشفافية أهلته لشيء
من القدرة على الجلاء البصري، فكان يرى في كثير من الأحيان و
المناسبات أرواحاً لمنتقلين. و لكن الفهم الخاطئ للحياة الأخرى و
الفكر السائد الموروث كان ينكر إمكانية اتصال المنتقلين بأهل الأرض
، و حال ذلك دون أن يدرك " هاج " العلاقة الوثيقة بين العالمين ,
وكان يعتبر أن الاتصال الروحي يعتبر ضربا من ضروب السحر أو العرافة
, فكتب كتاباً يهاجم فيه كل المنشغلين بالاتصال الروحي، وقدم في
كتابه "The Necromancies" أو "العرافون" فهماً يلغي إمكانية اتصال
الأرض بعالم الروح.
بعد انتقاله أرَّقه
هذا الكتاب كثيراً وأيقن أن ذلك العمل قد أضرَّ كثيراً برقيه
الروحي ، فكان يأمل أن تتاح له فرصة كي يصحح ما ورد فيه من أفكار،
و يقدم صورة حقيقية للعالم الذي انتقل إليه بعد مفارقة الأرض، وأن
يساعد أهل الأرض على فهم الحياة في عالم الروح.
يصف لنا "هاج "
لحظة انتقاله ، و قد شعر أنه قد شُفي تماما من المرض ،و ترك سريره
و نهض ، وتعجب أن من كانوا حوله لم يتحركوا لمساعدته, و كأنهم لم
يرونه .و نظر خلفه على السرير فإذا به يجد جسده ملقى في الفراش
بدون حراك, و هنا أدرك أنه قد انتقل من حياة الأرض .
وجد أمامه زميلا له
قد انتقل من قبله يقف لاستقباله و ليصحبه في رحلته للتعرف على
العالم الآخر.
وجد "هاج" منزلاً
جميلاً قد خُصِّص له , ووجد الزرع اليانع و الأشجار و الورود، و قد
شرح له صديقه "أدوين" أن كل ما يشاهده هو ثمار ما زرعه على الأرض
من أعمال و نيات ,كما شرح له أن كل الموجودات في الحياة الآخرة من
فاكهة وأشجار و ينابيع مياه و أزهار كلها تمِدُّ المنتقلين بالطاقة
الروحية .سمع "هاج" الموسيقى وعلم أن لها دوراً أساسياً في إمدادهم
بالطاقة و التناغم.
انضمت لهاج و أدوين
زميلة هي " روث" و كانت لهما رفيقة في الرحلة الاستكشافية للحياة
فيما بعد هذه الأرض.
وصف "هاج" المياه و
ينابيعها الصافية ، تنبعث منها كل الصداقة و الحميمية. و الماء ككل
شيء في العالم الآخر هو حي، وكأنه ينشر الخير بأنفاسه، و هو صافي
كالبلور ،تنعكس على أمواجه الحانية أشعة النور بألوان مضيئة براقة.
يحدثنا "هاج" عن
طبقات الحياة و التطور في العالم الآخر فيقول :"إنه يحدث اختلافا
تدريجياً في البيئة ، فكلما انحدرنا أسفل يتغير شكل و ملمس الحشيش
الأخضر، فيفقد نعومته و يصبح شيئا فشيئا مصفراً و صلباً". أخذنا "
هاج " لرحلة إلى مناطق لا ورود ولا أشجار ولا منازل فيها ، مناطق
لا أثر لحياة إنسانية تسكنها ،كما صحبنا في رحلة إلى أماكن يعم
فيها النور و الجمال و الإشراق.
في إحدى الطبقات
الفقيرة روحياً رأى الأصدقاء بيتاً خاليا من كل جمال، لا حديقة
ملحقة به، يقف البيت وحيدا ،مخذولا، ويقطنه رجل قد تعدى أواسط
العمر، يرتدي ملابساً رثة. اشتكى الرجل حاله لأدوين و قال" إنه قد
ظُلم كثيراً ،و إنه كان دائم التبرع للكنيسة ". شرح أدوين وقال "
إن الحياة الأخرى لا ظلم فيها، و إن ذلك الرجل كان يتبرع بمال كثير
لأنه كان يبغي الشهرة و تحقيق مكاسب مادية و يؤمن أن الغاية تبرر
الوسيلة".
انحدر الأصدقاء
لزيارة أماكن أسفل و أسفل ،حيث المنازل كالعشش أو الحظائر .غاب
النور الداكن أكثر وأكثر , و عمَّت الظلمة الحالكة, تقطن تلك
المستويات السفلية كائنات مشوهة تتعارك بعضها مع البعض الآخر، تغطي
المنطقة السوائل الكريهة، و تكسوها البرودة و الرطوبة ، لا يسمع
فيها من الأصوات سوى الصراخ و العويل .هنا يعيش خالدا ًمن كان على
الأرض وحشاً شرساً , تسبب في إيذاء غيره من الأرواح لمنفعته
الشخصية .صِورُ هؤلاء قبيحة، تعكس ما دار بعقولهم من نوايا خبيثة.
أخذ "أدوين" "هاج
" و "روث " لزيارة الأراضي المنيرة. شاهد الأصدقاء دار " أدوين"
نفسه و كانت تقع على الحدود التي تفصل أرضهم عن الأراضي الأخرى
الأعلى نوراً .دار " أدوين " دار جميلة , تنبعث من كل أرجائها
الحميمية و الدفء، يعمها الهدوء و السلام ,و قد كان
" أدوين" على الأرض قسيساً
طيباً يسارع بتقديم المعونة و الخدمة للآخرين.
يصف " هاج"
المناطق الأكثر رقياً حيث النور يشرق أكثر و أكثر , وكذلك البهاء
و الصفاء و الجمال , فكلما ارتقت الأرواح صارت تقطن مناطق أبهى و
أجمل و أكمل ، و قانون النمو الروحي الساري أبدا هو السعي لنشر
الحب و المحبة و خدمة الآخرين.
إبراز بعض
الأفكار التي وردت بالكتاب
أثّر في هذا الكتاب
من كذا منظور ، لعل أهمها أنه قد نبهني إلى أن العالم الآخر موجود,
وأن الحياة فيه هي حصاد حياتنا الأرضية ، و على ذلك فكل عمل بل كل
فكرة و إحساس لهم مردود و نتيجة في الحياة الآخرة. نعم ربما نعرف
ذلك نحن الذين نؤمن بالله واليوم الآخر معرفة نظرية، ولكن حين تصل
إلى مسامعنا ومداركنا تجربة حية فإنها تُثَبّت إيماننا , ولا
تعرقله بأية صورة من الصور، بل تزيد في إدراكنا لقيمة وجودنا على
الأرض، ولقيمة الحياة , وما نقوم به من أعمال , كما أن هذا الكتاب
أضاف إلي في الفهم في النقاط التالية:
تحقيق التحرر
الروحي:
تحدث " هاج" في
مواضع كثيرة من كتابه عن الحرية و التحرر الروحي، مشيراً أن الحرية
تتحقق عندما تتيقظ الروح و تطرح مفاهيمها المتوارثة و التي جلبتها
من الأرض ، و التي تقيدها و تحجبها عن الحقيقة. ومن هذه المفاهيم
المتوارثة العصبية القائمة على الأشكال , وأسماءٍ لذاتها دون ما
وراءها من معنى. ويقول " هاج" أنهم في عالم الروح يعبدون الحق
الصمد، و يعبر عن ذلك بقوله: "نعبد العظيم، الأب الصمد ، في الحق
.الحق المطلق .نحن في عقل واحد .عقل واحد فقط ".
و في موضع آخر من نفس الصفحة يقول
: " نحن عقل واحد في عبادتنا للأعلى ".
الاستعداد للانتقال من الأرض مهم
للروح:
يحدثنا " هاج" عن
وجود مبنى للاستشفاء تُرسَل إليه بعض الأرواح بعد انتقالها, و هو
بمثابة دار للراحة لمن عانى قبل انتقاله مرضاً طويلاً , أو مَنْ
كان انتقاله عنيفاً كالحوادث مثلاً ، مثل هؤلاء يعانون من الصدمة ،
لهذا فهم محاطون بمن يقوم برعايتهم إلى أن يفيقوا فيعلموا أنهم قد
تركوا الأرض إلى الحياة الآخرة .و يضيف " هاج" أن هذا المبنى أبيض
اللون, مكسو بشعاع أزرق شافٍ يمد تلك الأرواح بالهدوء و الراحة و
الطاقة . نتعلم أن الوعي بالحياة في العالم الآخر يجعل لحظة إفاقة
الأرواح لحظة سهلة سعيدة ، و الجهل بذلك هو الذي يسبب الألم و
الأسى لتلك الروح.
الإلهام:
دون وعي من أهل
الأرض يستقبلون الإلهام من المنتقلين الذين يهدفون لخير مَنْ في
الأرض فنجد الطبيب الجراح المنتقل مثلاً يُلهِم نظيره على الأرض
بأفكار تخدم مرضاه ، كذلك نجد الاكتشافات العلمية يُلهَم بها من
أهل السماء و تكون دائماً هدفها الخير و المنفعة .و لكن البشر
يسيئون استخدامها و يضرون بعضهم البعض بها.
الطبقات و
الدرجات في العالم الآخر تديرها قوة المحبة الخالصة:
يحدثنا " هاج" في
الصفحات الأخيرة من كتابه عن الروح الأجل الأرقى روح المحبة
الخالصة، التي تعبر عن سماتها الألوف من الأرواح المنتقلة بـ"السيد
المحبوب" ، وهي تجمع كل عوالم الروح في كون واحد, خلقه الخالق, و
تديره بقانون المحبة الحقة ، لا تخويف و لا ترهيب فيه ، فقط محبة
خالصة . هي حلقة وصل بين الخالق و خلقه , و هي تبعث الطاقة في
الأرواح المختلفة الدرجات و تمدهم بالأمل في الرقي و المعراج
الدائم الأبدي.
أدعو كل من كانت
لديه فكرة مشوشة عن الحياة في العالم الآخر ، أو من يظن أن
الانتقال نوم وراحة أبدية أن يصحح مفاهيمه و ينفتح لقراءة رسالة
أرادت روح تبليغنا إياها ؛كي تخفف عنا الكثير مما يعرقلنا عن
مواكبة مسيرة المعراج الروحي.
|