|
عندما
يستمع أغلب الناس إلى
اسم تولستوي يتبادر إلى ذهنهم قصة " الحرب والسلام "
,
أي
أنهم يرونه روائيا قديرا في المقام الأول
,
وإن كان تولستوي هكذا فعلا إلا أن ما يميزه بالنسبة لنا هو رحلته
الداخلية في البحث عن ذاته ، عن المعنى
الحقيقي للحياة .. رحلة إنسان كان يملك من الناحية المادية كل ما
يتمناه .. مال وجاه وشهرة وأسرة .. ولكنه كان لا يجد فيهم ضالته
ولا سعادته . فتولستوي نموذج لشخصية تسعى
للفهم ولكن الفهم الذي تسعى
إليه
غالي
القيمة لا يتحقق بالأدوات التي يستعملها الإنسان في حياته
،
مثل
ذهنه أو حواسه وحدها
,
ولكنه
فهم قلبي يحتاج لجهد وجهاد مستمر ، وألم ومعاناة في طريق نحو تحقيق
صفاء قلبي يسمح باستقبال نفحات سماوية
,
و
يتيح الطريق أمام المعرفة القلبية كي تنير الكيان الإنساني بنور
أبدي لا تخترقه أية
ظلمات.
فهذه
الرحلة هي التي نريد أن نتحدث عنها .. وما هي إلا رحلة الإنسان
.
كان دائما بداخل
تولستوي تساؤلٌ عن معنى الحياة والخلود في البعث ، ولكنه كان يضل
الطريق في فترات كثيرة ولا يشعر إلا بوجود نفسه , ويندفع في طريق
الملذات محاولا إشباع ذاته , ومعتقدا أن هذا هو طريق السعادة .
ولكنه يعود فيلوم نفسه على ما فعل ، والمجتمع من حوله يشجعه على
الاستمرار في طريق هوى النفس . فالصفات الغير حميدة مثل الغرور
والغضب والرغبة في الانتقام وغيرها كانت كلها تحظى بكل احترام , في
مجتمع كان يسخر ممن يسعى إلى المُثل العليا . فهو يقول عن نفسه "
لم توجد جريمة لم أرتكبها ومع ذلك كنت أُمتدح على كـل ما أفعـل ,
وكـل من حولي كانوا
يعتبرونني وما زالـوا رجـلا على خلق نسبيا".
وظل يتخبط بين
الإثم والندم , ومحاولة مجاهدة نفسه حتى اضطر في وقت ما أن يبيع
قصته " أهل القوقاز " قبل أن يتمها مقابل مبلغ خسره في الميسر .
ولكنه لم يقنع بما هو فيه وظل يبحث بإصرار عن خلاصه … عن معنى لهذه
الحياة .. فهو يقول " كان يحدث معي شيء غريب جدا ، فقد أخذت
تنتابني في البداية مشاعر الضياع واستغرقتني الكآبة، ثم بعد زوال
هذا الشعور كنت أستمر في العيش كما مضى . لكن أوقات الحيرة هذه
كانت تتكرر بشكل أكثر وأكثر وبنفس الطريقة ، وهذه الوقفات مع
الحياة كانت تنعكس في نفس الأسئلة ، لماذا وكيف بعد ذلك
؟"
. ولكن ربما أن ما
كان يسانده في هذا الظلام هو إيمانه بقوة عليا ، هذا الإيمان كان
الوحيد الراسخ بالنسبة له , وهو الذي حفزه على البحث عن وسائل
للتطور الروحي .
نرى إذاً أن الثروة
والأسرة والشهرة لم تشغل تولستوي عن التفكير في معنى الحياة .
وأجهده ذلك فترة طويلة وسيطر عليه . فهو يعبر عن هذا بقوله " ولكن
هذه اللحظات من الحيرة أخذت تتزايد على هذا النحو دائما, ويمكن
التعبير عنها بهذين السؤالين :
لماذا هذه الحياة وإلى أين تؤدي
بي ؟"
وظل
يبحث عن إجابة هذه الأسئلة في العلوم والفلسفة بلا جدوى ، فأدرك أن
هناك ما يفوق قدرة العقل والمنطق على التفكير والتأمل. وحين توصل
في فترة ما إلى أن الحياة ما هي إلا شر ولا معنى لها، أدرك خطأه
فيما بعد عندما وجد أنه خلط بين معنى الحياة ومعنى حياته هو . كما
أن تولستوي ظل يتساءل لماذا تكون نتيجة ملذات الحياة الحزن والضيق؟
وبرغم أنه كان دائما يشعر أن شيئا مُهماً ينقصه ، فروحه الحائرة
كانت متعطشة لشيء أسمى. و يصاب باليأس عندما يشعر أن الموت هو
نهاية كل شيء, ويدرك أن المعنى الحقيقي للحياة يكمن في إشباع الروح
وليس الجسد . وتدريجا يصل تولستوي إلى أن الحياة ما هي إلا الله ،
فهو يقول " أن تعرف الله وأن تعيش هما نفس الشيء، فالله هو الحياة"
وهذا
النور الذي شعر به بداخله لم يكن إلا الفطرة التي كانت واضحة عنده
في طفولته . فعاد إلى الإحساس أن ما عليه إلا أن يعمل للصالح العام
ونرى ذلك في قوله : " الغرض من الوجود الإنساني إنما هو أن نبذل
أكبر عون نستطيعه في سبيل أن يرقى كل شيء حي رقيا عالميا عاما ...
وعلى ذلك فيجب أن تكون حياتي منذ اليوم كفاحا دائبا نشطا في سبيل
تحقيق هذا الغرض الذي ليس لي غرض سواه"
فحياته كانت تساؤلا دائما ومحاولة للفهم وخاصة التطبيق حتى أن آخر
نصيحة منه لابنه سرجي وهو مشرف على الموت كانت: "ينبغي أن تنظر في
حياتك ، من أنت ، وما معنى الحياة الإنسانية وكيف يجب أن يقضيها
الرجل العاقل"
توصل تولستوي إلى
التفرقة بين الإيمان بالله والإيمان بما تقوله الكنيسة , فكان يرى
أن المأساة بالنسبة للعالم المسيحي تكمن في غياب وعي حقيقي بمعنى
الحياة كان يؤدي إلى عدم صدق وإلى وازدواجية في مفهوم بعض من
يتبعون الكنيسة من حوله فبعض الناس يخدعون أنفسهم بظن الإيمان، وهم
في الحقيقة يخافون الموت , والمعاناة , والحرمان ويتكالبون على
الحياة المادية كغيرهم من الناس.
وعبر تولستوي عن
رأيه بأنه ليس كل المسيحيين يتبعون تعاليم المسيح الحقية, فيتساءل
على سبيل المثال: أين الحب الذي دعا إليه المسيح ؟ فعلى مستوى
الدولة الواحدة الفقراء والأغنياء يكرهون بعضهم البعض , وعلى
المستوى العالمي تحارب الدول بعضها بكُره وبُغض يسمونه وطنية .
وهنا تكُمن الكارثة ، فبدلا من أن يحاول الإنسان مقاومة هذه
المشاعر السلبية فهو يمجدها ويعتبرها بطولة. والأدهى من ذلك أن كل
هذه الدول رغم انتمائها إلى المسيحية لا تجمعها أية مباديء أخلاقية
مشتركة بل أن الكل يهرع خلف مصلحته الشخصية .
ولم يكتف تولستوي
بما قرأه عن المسيحية, ولكنه بحث في أديان كثيرة وتوصل إلى أن
الهدف من أي دين هو الصلة بين الإنسان والله . ومن أجل الوصول إلى
هذه الصلة ، فعلى المرء أن يجاهد نفسه ؛ ليتغلب على شهواته ويعمل
على أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه . ولقد وجد هذا مشتركا في اليهودية
, والمسيحية , والإسلام , وكذلك البوذية , والتاوية , والبرهمانية
. وإن كانت المظاهر الخارجية لكل هذه الأديان مختلفة , ولكن في
النهاية الجوهر واحد ، فيقول تولستوي " تشير كل أبحاثنا إلى الأساس
الواحد لكل الأديان العظيمة .. ففي عمق كل الديانات ينساب تيار
حقيقة واحدة خالدة"
إن
رحلته مع الإيمان قد تطلبت جهادا كبيرا. ويرى تولستوي أن البناء
يجب أن يكون على أساس سليم , وذلك يستلزم الهدم أولاً بمعنى آخر
العودة إلى الصفرية، فهو يعبر عن ذلك في كتابه " ما هو الدين وما
هو جوهره " بقوله " لابد أن يفرغ المرء ما بالوعاء قبل أن يسكب فيه
محتوى جديدا وذلك ينطبق أيضا على من يريد أن يتعلم الدين الحق ،
فعليه أولا أن يتخلص من كل زيف ووهم " ولذلك يدرك تولستوي أنه لكي
يستطيع المرء أن يجعل النور يحل محل ظلامه يجب أن يتعلم الإنصات
إلى صوته الداخلي . وهذا في حد ذاته كان ضد تعاليم الكنيسة في
وقتها , حيث أنه كان المطلوب لكي يعتبر المرء مسيحيا بحق ويضمن
خلاصه أن يستمع إلى ما يقوله رجال الدين دون محاولة النقاش أو حتى
التفكير . وفي ذلك يقول لنا تولستوي " فإن معيار الخير
والشر ليس ما يفعل الناس وما يقولون ، وليس هو التقدم ، وإنما هو
قلبي
وذاتي".
والحياة التي تقوم على الخير تتعارض كلية مع شهوات النفس ، وهنا
نرى كيف أن تولستوي كان يعمل كل ما في وسعه ليعيش حياة الزهد،
فحرَّم على نفسه أكل اللحم , والصيد , وشرب الخمر , والطباق ، كما
أنه كان ينزل الحقل مع الفلاحين ويلبس ملابسهم . وذلك لأنه كان
إنسانا صادقا مع نفسه يحاول تطبيق ما يقوله ، وإن كان لم ينجح
دائما في ذلك ؛ نتيجة معارضة زوجته وأغلب أولاده . فقد طلب من
زوجته التنازل عن الضياع ومحاولة العيش في حياة بسيطة , ولكنها
رفضت بشدة وظلت تحاربه , ولكنه لم ييأس وفعل كل ما في وسعه ، فقد
تنازل عن حقوقه في كتبه الاجتماعية التي كتبها بعد عام 1881 ، كما
أنه كتب وصية للتنازل عن حقوقه في مؤلفاته بعد وفاته . وكانت هذه
الوصية سببا في شجار وتعاسة متزايدة مع زوجته حتى أنه هرب من
المنزل وكان هروبه هذا بكل مشقته سببا في موته .
وعندما توصل
تولستوي إلى أنه لا يبغي إلا الحق رفض أن تسمى آراؤه " مذهب " فهو
يقول " ليس في الأمر إلا تعاليم واحدة هي التعاليم الحقة الدائمة
العامة التي بنيت أحسن بناء لي ولغيري وهي في الأناجيل".
كما أنه في مجافاته
لحب الشهرة التي حصل عليها وصف آثاره الفنية الخالدة التي كانت قد
جعلت منه أحد أشهر الكُتاب على مستوى العالم بأنه ليس أكثر من "نوع
من اللغو لا طائل من ورائه"
ويقول عن فنه " إذا قدر يوماً أن يشغل
الناس أنفسهم بكتاباتي؛ فدعهم يركنون إلى تلك الفصول التي أعرف أني
كنت فيها لسان ( القوة المقدسة ) ودعهم يفيدون منها في حياتهم، لقد
مرت بي أوقات كنت أشعر فيها أني أداة لتلك ( القوة المقدسة )، ولقد
طالما كنت غير طاهر تملأني رغباتي الشخصية ، وعلى ذلك فإن ظلمة
نفسي كانت تطفيء ذلك النور ؛ ولكني في بعض الأوقات كنت أحس أن الحق
يمر من خلالي، وكانت تلك الأوقات أسعد سويعات
حياتي" .
كما أنه حارب الظلم
الاجتماعي بكل قواه ، فهو يقول عنه في كتابه : " ماذا علينا أن
نفعل إذاً ": " إنني عندما أرى الآلاف من بني الإنسان في مخالب
الجوع والبرد والانحطاط أفهم ، لا بعقل ولا بقلب بل بمجموع ما في
من الحياة ، إذ أنا وآلاف من أمثالي يأكلون أكثر من حاجتهم من طري
اللحم والسمك , ويغطون دورهم بالأقمشة والسجاد ، ومهما يقل علماء
العالم بضرورة ذلك ، فإن وجود الآلاف من الجائعين في
موسكو هو جريمة
تُرتكب لا مرة بل دائما ، وإنني بما أنا فيه من ترف لا أحتمل هذه
الجريمة فحسب بل أشترك فيها".
ولكن كعادة تولستوي
دائما لا يكتفي بالكلام بل يحاول تطبيق ما يقوله؛ فهو لم ير أن حل
مشكلة الظلم الاجتماعي هي في الإحسان للفقير ؛ لأن ذلك لن يساعده
على الوقوف على قدميه بل سيجعله تحت رحمة الآخر دائما. فاقترح
تولستوي في ذلك تعليم الفقير عملا يكتسب رزقه منه. ويستشهد تولستوي
بالإسلام وبأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام لتدعيم رأيه في هذا
الموضوع في كتابه " أحاديث مأثورة لمحمد " مثل : " انصر أخاك
ظالماً أومظلوماً . فقال رجل : يا رسول الله أنصره مظلوماً فكيف
أنصره ظالما ؟ قال : تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه " .
ويرى تولستوي أن
أي تغيير خارجي للإصلاح الاجتماعي لن يكون إلا إذا غيّر الناس
أنفسهم، فمثلا هو ضد الملكية الفردية , ولكنه لا يوافق على أخذ
أملاك الناس بالقوة بل بأن يتنازل أصحاب الثراء عن ثرواتهم ويعملوا
بأيديهم لكي يحصلوا على ما يحتاجونه.
حقيقةً كان تولستوي
مثالا رائعا لجهاد النفس, وهي تعطي الأمل لأي إنسان مهما كان
ضعيفاً، فقد علّمنا ألا نيأس من أنفسنا أبدا , وما علينا إلا
التوجه بصدق , وطلب العون , والباقي متروك لرحمة الله التي لا حدود
لها .
إن معاناة
تولستوي من أجل
الوصول للكمال كما أدرك معانيه بصور مختلفة في كل مرحلة من حياته
هي التي فجرت داخله هذا النور الذي قاده إلى ما وصل إليه من إيمان
, وسكينة , وحب الله حتى أنه أنهى كتابه " اعترافات " برؤية جاءته
, وكانت ترمز إلى أن النجاة في الارتباط بالأعلى ولا نجاة بغير ذلك
.
|