يعود الترحيب العالمي الذي لقيه دو مِلّو -المتوفى عام 1987 عن عمر يناهز الخامسة والخمسين- إلى منظوره الفريد إلى التأمل الروحي , والقدرة على الارتقاء بمراقبة النفس واكتشاف الذات. إن منظوره بحق منظور كلِّي، يصل إلى كل طبقات النفس البشرية، و"صوفيّته تخترق كل الأزمنة والشعوب , وهي بحق دعوة عالمية على حد قول أحد مراجعي كتبه. إن أغنيَّة الطائر يستخدم وسط القصة المغرق في القدم، الشعبي والفعّال دائماً ؛ لإجلاء حقائق عميقة تضعنا في تماس مباشر مع مصاعب الحياة اليومية واهتماماتها (بما أنها الميدان الحقيقي للتحقُّق الروحي)، وأيضاً على تماس مع مسعانا الروحي الإنساني المشترك, والغاية في النهاية كما يقول المؤلف، هي تنمية فن تذوُّق رسالة كل قصة على حدة ,وتصعيد الشعور بها حتى تقودنا إلى تحوّل داخلي "اترك [القصة] تخاطب قلبك، لا دماغك" يشير المؤلف على القاريء" وهذا قد يجعل منك نوعاً من المتصوف."

كُلْ ثمرتك أنت

شكى أحد التلاميذ ذات مرة:

"إنك تروي لنا قصصاً، لكنك لا تكشف لنا أبداً عن معناها."

فقال المعلم:

"ما قولك لو قدَّم لك أحدُهم ثمرةً ومضغها قبل أن يعطيكها؟"

ليس بوسع أحد أن يجد عنك معناك.

ولا حتى المعلم.

 

فارق جوهري

قال رجل لأوبِس القرني: "كيف أصبحت؟"
أجاب: "أصبحت أُحِب الله، وأمسيت أحمد الله. وما تسأل عن رجل إذا أصبح ظن أنه لا يمسي، وإذا أمسى ظن أنه لا يصبح."
قال السائل: "ألا يعلم الناس جميعاً ذلك؟"
فأجاب أويس: "بلى يعلمون، لكنهم لا يعتبرون به جميعاً."
كلمة خمر لم تُسكِر أحداً قط.


 

السمكة الصغيرة

"المعذرة"  قالت سمكة البحر : "أنت أسنّ مني وأخبر, فهلا أخبرتني أين أجد ذلك الشيء الذي يسمونه البحر؟"

ردت السمكة الأسنّ: "البحر هو ما أنت فيه الآن."

"إيه، هذا؟!" إنْ هذا إلا ماء, ما أريد هو البحر، " قالت السمكة الخائبة وهي تسبح مبتعدة لتفتش في مكان آخر:

قَدِم على المعلِّمَ بزيّ سنّياسي. وكلَّمه بلغة السنّياسي*: "سنوات وأنا أطلب الله , طلبته في كل مكان قيل إنه فيه, على قمم الجبال، في الصحراء الشاسعة، في صمت الصومعة، وفي أكواخ الفقراء."

"وهل وجدته؟" سأل المعلِّم.

"لا،لم أجده. وأنت هل وجدته؟"

ماذا كان بوسع المعلِّم أن يقول , كانت شمس المساء ترسل سهاماً من النور الذهبي داخل الغرفة, وكانت مئات من عصافير الدوري تزقزق فوق شجرة بَنْيان قريبة, كان بمقدور المرء أن يسمع جلبة السير على الطريق آتية من بعيد. وكانت بعوضة تَئزِّ منذرة ببدء غارتها… ومع ذلك استطاع هذا الرجل أن يجلس هناك ويقول أنه لم يجد الله.

وما هي إلا برهة حتى غادر خائباً ليفتش في مكان آخر.


 

* كلمة سنسكريتية تعني من زهد في الدنيا وترهّب طالباً التحقق الروحي. (المترجم)

.

المستكشف

عاد الرحَّالة المستكشف إلى قومه، الذين كانوا تواقين لمعرفة شيء عن الأمازون. ولكن أنّى له أن يعرب بكلمات عن المشاعر التي فاضت في قلبه حين رأى الأزهار الغريبة وسمع أصوات الليل في الغابة، حين أحس بخطر الحيوانات المفترسة، أو جدّف بقاربه عبر منحدرات النهر الغادرة؟

قال لهم: "اذهبوا واكتشفوا بأنفسكم." ثم رسم لهم خارطة للنهر ترشدهم. أما هم فقد انقضوا على الخارطة، وأطّروها في دار البلدية، ثم استنسخوها. فكل من امتلك واحدة لنفسه ظن نفسه خبيراً بالنهر. أليس يعرف كل منعطف وانحناءة فيه؟ أليس يعرف مقدار عرض النهر وعمقه؟ أليس يحفظ غيباً أماكن الانحدار فيه ومواضع الشلالات؟

 

السهم المسموم

قال راهب للسيد البوذا مرة: "هل تنجو نفوس الأبرار من الموت؟"

لم يُجْرِ البوذا جواباً، على عادته.

 

 لكن الراهب ألحَّ, فكان كل يوم يكرر السؤال , وكان كل يوم يجاب بالصمت، حتى نفد صبره , فهدَّدَ بالرحيل إذا لم يلقَ جواباً على هذا السؤال المصيري، إذ في سبيل ماذا يضحي بكل شيء ليعيش في الدير إذا كانت نفوس الأبرار تفنى مع أجسامهم؟"

إذ ذاك تكلم السيد البوذا، وقد أخذته الرأفة بالرجل، قال: "مثلك كمثل رجل يحتضر من جرَّاء إصابته بسهم مسموم. لقد جاء ذووه سريعاً بطبيب لإسعافه، لكن الرجل رفض أن يُنزَع السهم من جسمه قبل أن يجاب على ثلاثة أسئلة حيوية: أولاً، هل كان الرجل الذي أصابه رجلاً أبيضاً أم أسوداً؟ ثانياً، هل كان طويلاً أم قصيراً؟ وثالثاً، هل كان من طائفة البراهمة أم من المنبوذين؟"

وعدل الراهب عن الرحيل!

لا تتغير

سنون طويلة وأنا معصوب, كنت جزعاً ومكتئباً. وكان الكل لا يفتأ يطلب مني أن أتغير, استأت منهم، ثم وافقتهم، وكنت أريد أن أتغير، لكني ببساطة لم أستطع، على الرغم من كل ما بذلت من جهد.

وكان أكثر ما يؤلمني أن أقرب أصدقائي إليّ كان مثل الآخرين، يلح عليَّ أن أتغير, لذا شعرت بالعجز كمن وقع في فخ.

ثم، ذات يوم، قال لي: "لا تتغير. أحبك كما أنت"

كان لكلماته وقع الموسيقى في أذني: "لا تتغير. لا تتغير. لا تتغير أحبك كما أنت"

شعرت بارتياح. دبّت فيّ الحياة., وعلى حين غرة تغيرت!

أعلم الآن أنه لم يكن في مكنتي أن أتغير حقاً حتى أجد من يحبني سواء تغيرت أم لم أتغير.

تراك هكذا تحبني يا ألله؟

النوم  ولا الذمّ

 

يروي سعدي الشيرازي هذه القصة عن نفسه:

عندما كنت طفلاً كنت صبياً شديد التقوى، حاراً في صلاتي وعبادتي. ذات ليلة أحييت الليل مع والدي والقرآن الكريم في حضني.

كل من كان بالغرفة بدأ يغفو , وسرعان ما غط الجميع بالنوم، فقلت لأبي: "ما من واحد من هؤلاء النيام يفتح عينيه أو يرفع رأسه ليتلو أوراده ,حتى لكأنك تحسبهم جميعاً أمواتاً."

أجاب والدي: "ليتك، ولدي الحبيب كنت أنت أيضاً نائماً مثلهم ولم تكن تذمّهم."

تغيير العالم بتغيير نفسي

يقول الصوفي بيازيد عن نفسه:

"كنت ذا حميّة وأنا بعد شاب , وكان دعائي إلى الله: "ربي أعطني القوة على تغيير ما بأنْفُس الخلق"

وعندما بلغت منتصف العمر وتحققت أن نصف عمري راح بدون أن أغير نفساً واحدة، غيرت دعائي إلى: "ربي أعطني نعمة تغيير ما بأنْفُس من يتصلون بي، أسرتي وخلاني وحسب، وسأرضى بذلك."

"أما وقد شخت الآن وباتت أيامي معدودة فإن دعائي الوحيد هو: "ربي أعطني نعمة تغيير ما بنفسي." فلو أني دعوت بذلك منذ البداية لما ذهبت حياتي سدى"