|
|

خلق
الله الإنسان ولم يخلقه عبثا إذ خلق له كل الأكوان ..كرَّمهُ و
أحسن إكرامه فجعل كل شيء طوع بنانه, إذا هو فهم معنى كيانه, وأعمل
عقله, وقرأ آياته, وفتح قلبه لنفحاته ..فاستوعب رسالاته .
كل إنسان يحمل مسئوليته .. فكلنا هنا نعيش اللحظة بكل ما تحمل من
عبء الاختيار.. كل منا يعيش التجربة وإن شئنا قلنا الاختبار .. بل
اختبار تلو اختبار.. ودائما هناك المرة الأولى. ورغم تعدد
الاختبارات إلا أن الهدف والمغزى كله يدور حول معنى واحد يجمع كل
المعاني, وهو اليقين. وهذه الأحرف البسيطة المكونة لكلمة اليقين
تحمل معنى عظيما جليلا, وكل المعاني وإن كثرت تنصهر جميعها في
بوتقة اليقين.
اليقين كلمة لها ثقل الكون كله بما يحوي مما نعلم ولا نعلم، وهي لا
تقبل منازعا, فإما يقين وإما لا. هي سر الوجود و مغزى كل تجربة
واختبار .. اليقين كلمة من أربعة أحرف يتكرر فيها حرف الياء مرتين
والمرتبط بالقوة الإلهية والحقيقة الأزلية الوحيدة التي نشهدها مع
كل نفس وهي أنه جل شأنه يحيي ويميت . أما حرف القاف فهو القوي –
القادر – القدوس – القهار – القابض – القريب - هو القصد والقلب،
القائم على كل نفس، القيوم في كل معنى وحس، قدَرت فقَهَرت، لك
القوة والقهر، أنت قائم على كل شيء بالقرب، وراءه بالقدرة
والإحاطة. وفى القرآن الكريم سورة "ق" والتي تبدأ بالقسم بحرف الـ
"ق": "ق والقرآن المجيد". وحرف الـ "ق" مرتبط في الجسد بموضع لو
صلح لصلح الجسد كله- كما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم- وهو
القلب مركز اليقين والصلة والقرب والنور والشوق والصدق والإقامة
والقرآن الكريم الذي هو القصد واليقين.
ويأتي حرف الياء مرة أخرى ليؤكد الحقيقة الراسخة التي لا يملكها
غيره وهو الذي يحيي ويميت. ثم حرف النون وهو مرتبط باسم النور
والنافع. وفي سورة النور الله هو النور الذي ليس كمثله شيء، نور
السماوات والأرض، نور القلب والروح، نور الصلة والقرب، نور العين
الباصرة المتبصرة، نور الوجود وما بعد الوجود، نور على نور. وقد
أقسم الله بحرف النون في كتابه الكريم في سورة القلم: "ن والقلم
وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وإن لك لأجر غير ممنون وإنك
لعلى خلق عظيم". وهو النافع الذي تهفو الروح إليه وتصبو، وسبحان
الله فبمعرفتي ويقيني أكون نافعة ومستنفعة بنعمته. فالله هو اليقين
واليقين هو الله .
ما علاقة هذا بتجربتي والمرة
الأولى؟
أمر هذه الأيام بتجربة، ولو شئنا اختبار له عدة مراحل, وكل مرحلة
لها صعوبتها ومعاناتها.. في هذه المرة وهي مرتي الأولى كانت
المواجهة، إذ كان عليَّ أخذ قرار السفر مع بناتي إلى شرم الشيخ
التي اعتدنا قضاء العطلات بها .. بالنسبة لي كان قرارا جد صعب؛
لأنها المرة الأولى التي نسافر بمفردنا, أنا وبناتي في طريق سفر
طويل أتحمل مسئوليتهم بمفردي, وأتخيل مسافة السفر والجبال تحيطنا
والصحراء تلفنا من كل جانب فيساورني القلق وأفكر بيني وبين نفسي أن
أتراجع و أقرأ التساؤل نفسه في عيون بناتي, وكان عليَّ أن أفكر في
السفر بأسلوب آخر. ولا أعلم لماذا جال بفكري أن الطريق إلى شرم هو
طريق حياة، من الذي ألقى في قلبي هذا الخاطر؟ وأخذت أسأل نفسي...
دائما ما أردد أن ربي يحيطني برحمته ورعايته وعباده المختارين ...
الآن حان وقت الاختبار.. فإما يقين وإما لا.. وأخذت قرار السفر
وكان هذا يعني ترتيبات كثيرة سهلها لي الله، كذلك قرر خطيب ابنتي
عَلي أن يسافر معنا, فاعتبرت كل هذا تشجيع من ربي للثبات على قرار
السفر.
الطريق عسر ويسر:
جلست خلف عجلة القيادة، ناجيت ربي ودعوته وكلي يقين أنه يسمعني بل
ويحتويني أنا وبناتي, فَمُلِئْتُ ثقة, وحبا, وانشراحا, وابتسامة
رضا لم تفارقنِ. دخلت الطريق ومن حولي صحراء واسعة, وجبال شاهقة,
وشجر له أشكال عجيبة تتلاءم مع بيئته. من فرط الإحساس بالحب
والرعاية وسعادتي به كنت أشعر أن كل حبة رمل .. كل حَجَرٍ في الجبل
..و كل ورقة شجر تُحيِّيني, وتسمع تسبيحي وحمدي لربي، وأسمع بقلبي
ترديدهم معي, ونشأت بيني وبين ما أمُرُّ بهِ من خلق الله علاقة حب
لا أستطيع أن أصفها بأقل من حب جارف.
وبعد استراحة أبو رديس بحوالي 2كم حدث شيءٌ لم يكن في الحسبان، فرغ
الهواء من العجلة الخلفية تماما فتوقفنا على جانب الطريق لنغيرها,
حاول عَلي فك العجلة البديلة فلم يستطع, أخذنا نلوح للعربات المارة
لأكثر من ربع ساعة ولا مجيب. تذكرت حينها دعاء أغاثني كثيراً في
مرات سابقة وهو (يا عباد الله أغيثونا). و فعلا بعد قليل جاءت
سيارة ميكروباص تحمل عُمَّال متجهة إلى القاهرة. استدار السائق
وجاء خلفنا يسأل إن كان باستطاعته تقديم أي خدمة، وفعلا قام بفك
العجلة وقام برفع السيارة بالرافع الخاص بسيارتي, وفجأة تسقط
السيارة ليتبين أن الرافع غير صالح، فيقوم بكل شهامة ليحضر الرافع
الخاص بسيارته, وكان يجب رفع السيارة أولاً فطلب من ركابه النزول
لرفع السيارة بأيديهم لحين وضع الرافع الخاص به، ولَبـَّى الركاب
الطلب فورا بدون أي تذمر, أتم المهمة وأعاد كل شيء إلى مكانه,
ونصحنا بأن ندخل مدينة الطور لتصليح العجلة البديلة وألا نجازف
بالسير دونها، وأخذ مَنْ معه و سيارته واستدار عائداً إلى طريقه
تصحبه دعواتنا دون انتظار كلمة شكر ...
نفَّذْنـا النصيحة وأصلحنا العجلة, وأكملنا الطريق وكُلِّي شكر
وحمد لله وأنا أقرأ رسالته المؤكدة أني في عنايته فقد قدَّر ولطف,
وهذا ما كان في رحلة الذهاب.
لا مجال للصدفة..
أما مكوثي في شرم فكان حالة من الانصهار والاندماج والتناغم مع كل
ما حولي من جمال الطبيعة. شعرت وكأن هناك لغة مشتركة بيني وبين
البحر والجبال والرمال والحجارة والأشجار والأسماك والطيور, لغة لا
يسمعها إلا القلب فكانت علاقة الحب التي ملأتني بنشوة أحلق بها في
السماء.
تمر الأيام ونحن نجلس على البحر، يأتي مسئول الغطس ليعرض علينا
رحلة ويترك لنا رقم تليفونه لنحجز موعد الرحلة وأخذ يعرض علينا أية
مساعدة, شكره علي وشكرناه على وعدٍ بتحديد موعد الرحلة مع الفندق
وتبليغه ... انتهى الموضوع عند ذلك. بعدها بيومين ظهر عطل كهربائي
في السيارة و كان علي قد سافر إلى القاهرة لاستدعائه في العمل ولم
يستطع البقاء معنا لنهاية الرحلة كما كنت أتمنى. الآن أصبحت وحدي
تماما مع بناتي في شرم يعاودني القلق والهواجس. فأذكِّر نفسي
وأسألها، يقين أم لا؟ و حدث ما جدد قلقي، ظهر عطل كهربي في السيارة
وأنا لا علم لي بأي شيء في السيارة سوى القيادة. إن ذهبت بها لأي
كهربائي ربما زادها سوءًا وأنا على سفر .. لا أعلم ما الذي جعلني
أفكر في مسؤول الغطس، ربما توسمت فيه شهامة فاتصلت به وبالفعل
دلَّـنا على من أصلحها, ولم يقبل أي مقابل. وهكذا فقد أدى هذا الذي
لم نره إلا وقت قليل جدا مهمته التي اختارها الله له دون أن يعلم,
ولكنني علمت أنه لا مجال للصدفة مع ربي فكل شيء بحساب وميزان
وتوقيت غاية في الدقة. شكرت الرجل على شهامته .. و عرفت أنه من
عباد الله.
يقين أم لا؟
وتأتي ليلة السفر ويأتيني الشيطان بكل هواجسه وتخيلاته... قمت
وجلست على السرير وقلبي يدق بشدة, وأخذت أدعو الله أن يُهدِّيء من
روعي, وبدأت في تلاوة الورد والتسابيح التي أتلوها كل فجر وأستعيذ
بالله من الشيطان. وسألت نفسي إما يقين بالله وبأني فعلا في معيته
وإما لا. هذا هو الاختبار الحقيقي وليس وأنا بين أهلي وأصحابي,
وبدأت أشعر أن الله قاد بي إلى هنا لأصبح وحدي، إذاً بماذا سأرد
على ربي؟ سبحان الله، شعرت براحة واطمئنان وأبعدت كل تفكير سيّيء
عن رأسي, وبدأت أوقظ بناتي وذهبت لأحضر السيارة؛ لأضع أشيائنا بها.
وبعد تمام كل شيء إذا بشنطة السيارة لاتريد أن تغلق أبدا, فأتى
سائق الفندق يحاول بكل الطرق لأكثر من ساعة و عندما يأس من تصليحها
أغلق الشنطة بقوة من الغل فانغلقت. إذاً.. سأسافر، ونركب ونتجه إلى
محطة البنزين وإذا بالعامل يقول لي "العجلة الخلفية ناقصة جدا"...
ماذا تريد أن تقول لي يا ربي؟ ويكشف على العجلة ولا يجد بها شيئا
فيضبطها ...وأنا أقول لربي: توكلت عليك سأسافر في صحبتك وصحبة نبيك
محمد صلى الله عليه وسلم وصحبة جميع خلقك الذين يعرفون قدرك
ويسبحونك ويفعلون ما يؤمرون فأنا وبناتي في حصنك وحمايتك, فلا أمان
إلا أمانك, ومن أمّنْته فلا خوف عليه, ومن أستأمنك لا يضيع أبدا.
وصلتني رسالة الحبيب
وبدأ الطريق ولا أستطيع أن أصف كم كان جميلا، شعرت فيه بالأمان
والحب, وكأن الجبال والأشجار والصحراء جنود مكلفة بحمايتي، هكذا
أوحيَ إلي، فكنت أقول لبناتي "اشهدوا أنه لا إله إلا الله، محمد
رسول الله فإنهم شهود وسيرددونها معكم" ... كانت رحلة جميلة وصلتني
منها معاني عظيمة، بل شعرت أن ربي يمازحني فيضع العقبات الصغيرة
التي تحتملها قدراتي, و كانت كلها تدور حول معنى واحد هو اليقين
والحب والتفاهم، فالحب موطنه القلب الذي يسمع ويرى لغة الحبيب, و
التفاهم هو لغة العقل يرى ويفسر و يفهم رسائل الحبيب ...
|
 |
|
|