|
الكلمات التي نتعرض لها هنا تحمل الكثير من عميق المعاني، التي
يمكن أن يتجول فيها العقل والقلب، ولا نعني بعرض تأملاتنا فيها إلا
أن نفتح المجال لأن يشاركنا من يقرأها الاستمرار في التأمل
والتدبر، فما نتعرض له هو محاولة منا للتفاعل معها على قدر ما
تتفتح لها قلوبنا وعقولنا، دون الادعاء بأننا قد أدركنا كل ما
تعنيه.
وقد اشتركنا جميعا – أبناء السيد الرائد وأسرته- في
محاولة للفهم، وصاغت التعليق ابنته علياء رضاه.
والموضوع الذي تتعرض له تلك الكلمات هي:
الفكر والكفر والذكر.
فيقول السيد رافع:
·
الفكر والكفر نقيضان. من أعمل الفكر طرق باب الإيمان. ومن عطّل
الفكر سلك طريق الكفران
الفكر والكفر كلمتان تحملان نفس الحروف وتشيران إلى معان مختلفة،
إذ أنه من الناحية اللغوية "الفكر" يكشف أما "الكفر" فيخفي. فما
الذي يكشفه الفكر، وما الذي يخفيه الكفر؟
من سلك طريق الفكر فإنه يكون على مشارف
الإيمان، لأنه بالفكر يسلك طريق الكشف عن الحقيقة، وأما من عطل
الفكر، فإنه يعيش في ظلام، لأنه لا يطرق باب المعرفة، ولذا فإنه
يكفر، أي يخفي نور الحقيقة.
·
الفكر مصدر لقيام ما انشغل به المفكر، والذكر قيام للمذكور
بما انشغل به الذاكر
نجد هنا أن كلمة "ذكر" قد أضيفت دون أن يكون لها وجود في العبارة
السابقة، فما هو الذكر؟
لكلمة ذكر معان متعددة، ولكنها مرتبطة بالتذكر من ناحية، ومرتبطة
بترديد كلمات دالة على معنى لاستحضار إدراك بموضوع، ومرتبطة
بالتعبد: "ذكر اسم ربه فصلى" والذكر ضد "الغفلة "إن أنت إلا
مذكِّر"، "سيذكّر من يخشى". فإذا كانت العبارة السابقة قد تحدثت عن
الإيمان فلا شك أن الذكر في هذا السياق يؤكد ما وصل إليه الفكر،
باستحضار معنى , ولكن بصورة مختلفة عن الفكر، فهو يوقظ الوعي
بحقيقة وصل إليها الفكر عن طريق الإدراك.
يمكننا أن نقول أن الفكر مرتبط بالذكر ,
ومتآلف معه , يتخذ الفكرَ موضوعاً له مما يستطيع أن يكشف سره ويعرف
كُنهه، وينشغل المفكر بما يدور فيه فكره بحثا وتمحيصاً ، فهناك
قدرة أخرى يتمتع بها الإنسان , ألا وهي قدرة الذكر. ولهذا فإذا كان
الفكر يجعل المفكر مشغولا بما يفكر فيه فإن الذكر يجعل من المذكور
حقيقة قائمة في وعيه إذا انشغل بها.
فقد يستطيع الفكر أن يستنبط وجود
قوة متعالية عن الوجود المحسوس، وبهذا يكون طرق أبواب الإيمان ,
وعندما ينشغل الإنسان بذكر هذه القوة فهو يستحضرها في صميم وعيه،
فتتلاشى المسافة بين الذكر والمذكور، ويصبح الذكر قياما للمذكور.
·
العالم تواجد ويتواجد ومتواجد بين الفكر والذكر.
أي
عالم نتحدث عنه في هذا السياق؟
إن هذا العالم ليس هو العالم الذي يوجد مستقلا عن الذات التي تفكر
, والتي تذكر، إنه العالم الذي يتواجد في وعي هذه الذات بفكرها
وذكرها , فالشمس والقمر والنجوم، والأرض والبحار والصحاري موجودة،
والكون بما نعرف وبما لا نعرف موجود. ولكن الفكر يصل إلى موضوع
بحثه وتأمله فيما يمكن أن يكون موجودا بالنسبة له , والذكر يعيد
على الذات الذاكرة ما يصل إلى الوعي بالترديد أو بالتذكر. العالم
المدرَك للذات الذاكرة والمفكرة هو عالم يتشكل تبعا لقدرة الفكر
والذكر على الإدراك والوعي.
·
الوجود المذكور حجاب الفكر الذاكر عن قيام الذكر، به يحتجب الذكر
عن الذاكر بالمذكور
الإنسان
الذاكر هو الذي لا يتوقف عن التذكرة والتذكر , أي الذكر ؛ لأنه
يدرك دائما أن هناك ما يريد أن يذكره مما هو فوق وعيه وفكره. يتوقف
الذاكر عن الذكر عندما يصبح المذكور وجودا مدركا بالفكر, هناك
ينقطع الوعي بالدائرة المجهولة الغيبية التي هي موضوع الإيمان،
ودافع الفكر للعمل، والذكر للتذكرة. فتكون النتيجة أن يتوقف الذكر
ويعطل الفكر.
وإذا استعدنا كيف أن الذكر هو قيام للمذكور، بما تحمله هذه العبارة
من رفع المسافة بين الذكر والمذكور، لأدركنا أن "وجود المذكور" أي
حضوره في منطقة الإحاطة يعزل الإنسان عن استمرارية الوصلة التي هي
صميم عملية الذكر، ويؤكد وجوده المحدود، ولذا يصبح هذا الوجود ذنبا
لا يقاس به ذنب، لأنه قد قطع الوصلة. وهو شرك لا يغتفر، لأن حال من
حجب عنه الذكر يقصيه عن دائرة النمو بالفكر والذكر.
·
الناس بين ذات للفكر وذات للذكر
هناك من الناس من يكون الفكر هو أساس معرفته،
وآخرون يكون الذكر هو مجال إعمالهم.
هل يستطيع الإنسان إلا أن يكون ذاكرا، ويكون مفكرا؟ وهناك أناس
يتقلبون بين الفكر وبين الذكر.
·
الفكر متابع للذكر ما شهده، والذكر متابع للفكر ما أقامه
الفكر
والذكر متلازمان، لأن كلا منهما يقوم بعمل يكمل الآخر، فإذا كان
الذكر هو استحضار لوعي بحقيقة، فإن الفكر يتابع إدراك هذه الحقيقة
بملكاته , فهو يتابع الذكر بقدر ما يستطيع أن يتفهمه. والذكر يتابع
ما تفهمه الفكر، وهذه المتابعة تكون باستحضار المعنى الذي حمله
إليه الفكر. الذاكر قد يذكر الله، والفكر يرى تجليات الله وآياته
في الوجود. وإذا تجول فكري في أصل الوجود، وأدرك أن هناك ما فوق
المحسوس المشهود، فإن الذكر يتابع الفكر بالتذكرة المستمرة بهذا
الوجود.
·
إذا توحد الفكر والذكر، والذكر والفكر قام الذكران من العبد
والمعبود، ونُشر الكونان من الموجد والوجود، وتجسد الفكران من
الشاهد والمشهود .
الفكر
والذكر يتوحدان بالفعل في الغاية، فإذا كان الفكر قد أدرك أن هناك
غيبا لا يستطيع أن يصل إليه، فهو يعلل ويحلل قدرته وحدوده
في هذا الشأن، والذكر يستحضر الوعي بهذا الوجود الغيبي، رهبة
وخشوعا وجلالا. كلاهما يتحد في الموضوع.
ولكن يمكن
أيضا أن يتبادلا وظائفهما، إذا تكاملا على مستوى أعلى من الوعي،
وهما بالفعل متكاملان . تكاملهما أو توحدهما يعني أن الفكر يتحول
إلى عملية ذكر، وأن الذكر من الممكن أن يتحول إلى عملية إدراك ,
يحدث هذا عندما يصبح الوعي حالا يقوم فيه الإنسان. فإذا كنا قد
بدأنا حديثنا بالإيمان فإن الإنسان المؤمن هو الذي لا يغيب ذكر
الله عن فكره، ويصبح وجود الله حقيقة يعيها عن طريق ذكره.
هذا الإنسان هو من يصدق فيه القول إنهم إذا ذكروا الله ذكرهم الله،
فهذا قيام "الذكران" من العبد والمعبود. الإنسان العابد (يذكر
الله)، والله "المعبود" يذكر "الإنسان".
"الموجد" هو الله، والوجود هو "خلق الله" بما فيهم الإنسان،
والوجود في هذا السياق يشير إلى "الإنسان" بصفة خاصة. وعندما يقوم
الوعي بالله في كيان الإنسان ذكرا وفكرا، فإن هذا الإنسان يصبح
ناشرا بوجوده للحق الذي أوجده الموجد.
وعندما يقوم الوعي بالله في كيان الإنسان ذكرا وفكرا فإن الفكر
يشاهد ما كان محتجبا عن دائرة إدراكه، يشهد أنه لا إله إلا الله
بحق. تصبح هذه الحقيقة يقينا. هكذا يتجسد الفكران من الشاهد
والمشهود.
|