|
{وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}
ماذا
نعلم عن نِعم
الله وأسراره التي أتاحها للكائن
البشري
المسمى
مجازاً ( إنسان )...! أقول
"مجازاً"
إلى أن تتحقق إنسانيته!.. وأقول
"مجازاً"
لأن كائننا يحتاج أن يخوض رحلةً طويلةً من العناء و العمل
إلى
أن
تبدأ
إنسانيته المرجوة أن تتفجر.
تحقيق هذه الإنسانية ممكن ..و لكن لمن ؟
بدا
لي أن الجهاز الآدمي كما لو كان آلة عاقلة معجزة , كثيرة الأعضاء و
العدَد
, مُسيَّرة تبعاً لعوامل داخلية عديدة متشابكة،
وعوامل خارجية أيضا
يتفاعل معها
, فتأخذه
إلى الإنسانية المرجوة أو إلى الآلية التي لا مخرج منها.
قد
يعيش الجهاز الآدمي بآلية تحت وطأة عواطفه التي تحكمه، وأفكاره
التي
تقوده
إلى رسم أهداف
لحياته يظنها
ذات
أهمية خاصة،
وإلى
ممارسات نشأ عليها للوصول لهذه الأهداف،
فيدخل
في دائرة من الآلية لا مخرج منها ؛ نتيجة خبراته القديمة و تجاربه
السابقة المختزنة في عقله الباطن , و غالباً ما يكون كائننا في
غفلة من أمره أو غير واعٍ بدرجةٍ كافية , فيصبح أداؤه
في هذه الحالة خاليا
من
الصدق
ومن
الحكمة.
وقد يصبح كائننا عرضة لأن يستسلم ويركن إلى مفاهيم لا يعي معناها ,
يظن عزاءه فيها مثل الرضا ، القناعة ، والقدر يرددها
دون تفاعل
مع
المتغيرات من حوله.
وكيف
يمكنه ذلك و هو الذي أصبح أسيراً مبرمجاً ؟!
و قد
نرى حالاً آخر
لشخص
قد
طال به الأجل فيحدثك مثلاً عن خوفه من الموت ..! و إنه غير سعيد
بالمرة , و إنه لم يحقق من حياته ما كان يتمناه مع أنه جمع الكثير
من المال , و أنه قد أدى دوره , و أتم وظيفته على أحسن حال على حد
قوله. إنه لا يرى
من الحياة
إلا حدوده التي نسجها بنفسه ثم سجن نفسه بها. هو في الواقع لم يحيا
الحياة بمعناها الحقيقي ولم ينمُ
إنسانيا.
بل
أضاع
جهده ووقته وماله في وهم ، ولم يجنِ إلا سراباً. عاش الموقوت و
أمات الأبدي بداخله.
و
ماذا نعلم عن احتواء جسدنا لكل هذا الكم المذهل من أجهزة بيولوجية
و أعضاء متطورة متوافقة مع بعضها البعض في وظائفها ؟ إنها مسخرة
لخدمة هذا الكائن و لتيسير مهمته .فهل لنا أن نعي المهمة المطلوب
تأديتها من وراء أي جهاز بدلاً من التركيز على الجهاز نفسه ؟ فماذا
يحدث إذا أطلقت كل الطاقات الكامنة فيه إلا
أن
نقف
في خشوع أمام كل هذا العطاء و كل هذا الإعجاز !(و ما أوتيتم من
العلم إلا قليلا).
ماذا
عن العقل مثلاً و هو جهاز عصبي حيوي حساس جداً , و ما وراءه من
شحنات كهربية , و أمواج من الإفرازات الكيميائية , و الأعاصير
الفكرية , و المقدِرة على التعلم و التمييز و إضمار النوايا، و
إظهار أفكارٍ إيجابية خلاقة , و تنمية القدرات و المواهب و غيرها
وغيرها . إذا بَعُدَ
كائننا
عن تجمد العقل و الروتين تحرر عقله , و ارتقى
فكره.
وماذا نعرف عن القلب الذي يتطهر بالذكر
فَينْفَكُّ أسر
النفس
,
وتصفو وتفتح أمامه جوانب الخير و سُبُلُها؟
إنه
مؤهل لأن يسلكها دون قيد أو شرط و بلا تصور مسبق لشكل أو صورة
للخير بل يعمل و يعمل بلا توقف بناء على تفاعله العميق الصادق مع
الأحوال المتغيرة من حوله , فيتشكل دائما بمقاييس جديدة ؛ إذ أنه
أصبح لا ينظر للأمور بظاهر شكلها بل يرى فيها دائما مغزى ,
ومسئولية منبعها المحبة و الرحمة نحو نفسه و نحو الآخرين ,
فيأخذها
على عاتقه برضى و اختيار (كلكم راعٍ و كلكم مسئولٌ عن رعيته).
يصبح
ضميره
حيا
فيراقب
نفسه
قبل أن يجلد الآخرين ,
ويرحم
نفسه فيعذر و يسامح مَنْ حوله , ينعم بالحرية فيعطي مساحة لغيره كي
يعبروا هم أيضا عن أنفسهم ؛ ليتحرروا بدورهم وينطلقوا لأعلى (كل
بما شاء). إنه حينئذ يكتسب
الأدب
الجمّ
.فالتأدب عنده يبدأ مع الحرف قبل الكلمة , إذ أن شعوره و تقديره
للفكرة نفسها قبل النطق بها له حساباته الخاصة عند هذا الإنسان
الذي تحققت إنسانيته .
فهل
عرف كائننا أنه يمكنه أن ينتشل نفسه من الغرق في خضم هذا البحر
الهائل من المؤثرات الحياتية فينجو إن حاول فعلاً؟..عندما يصبح
كائننا أكثر صفاءً ,
و هدوءً , و تركيزاً , و صدقاً , و تأملاً , و
توجهاً لله في كل وقت و حين، و عندما يعي ما يحدث بداخله من تغيرات
و يتفاعل بضمير حي مع خارجه يتناغم مع القانون الكوني. إن هذا
الكائن لديه من الفرص ما لا حصر لها طالما هو حي, إذ أن عنده
القدرة على استحداث أفكار إيجابية لم يكن بعد معتادا
عليها ليضيف لنفسه الأفضل و الجديد دائما، فيزيح بذلك عن نفسه
الجهل والظلام , فيصبح هو بذاته نوعية وجود مختلفة ذا قيمة فكرية
روحية إنسانية عالية.
إنه يصبح واعيا بمعنى الحياة
,
ومدركا أن وجوده فيها مرهون بعمله,
وكلما كان صادقا ومخلصا في كل عمل كلما ارتقى للأفضل,
المهم هو تفاعل وجدانه وقلبه مع كل ما يرى ويسمع ويقرأ ويتعلم,
ومع كل عمل مهما كان بسيطا تتطور رؤيته لمعنى الحياة.
فلنعلم أننا غير مقيدين أو مكتوفي الأيدي بل خلقنا الله أحراراً
منفتحين على الكون بأسره حيث أننا جزءٌ لا يتجزأ منه، فنتناغم مع
سائر الكون لننطلق إلى أعلى الآفاق و تصبح المحصلة في النهاية
..إنسانا ..و عملا صالحا (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن
يتقنه).
لذا علينا أن نتعلم لنساعد أنفسنا , وأن نعرضها لكل طيب
وخير
و عاقل حكيم،
و أن نحذو حذو كل من سلك يغدو في أسمى المعاني وأعلاها ؛ لنأخذ من
تجاربه فننمو, و نضيف إليها فنـتطور
, فلنبدأ يومنا متفائلين آملين في جود الله , و لنذكِّر أنفسنا عند
إشراقة كل صباح بكل الإيجابيات : مثل المحبة و الرحمة و السلام
و
السعادة و الهناء و الجمال و الحكمة و القوة و النقاء لتحيط بنا, و
عند نهاية سعينا نراجع محصلة ما قمنا به في يومنا و لنركز على
الإيجابيات, و لنرحم حالنا ,
و نستغفر إذا ما تعثرنا أو نسينا فغد
آتٍ .و سنبدأ من جديد طريقاً حافلاً بالأفعال , و ليس مجرد ردود
أفعال, محصنين بأفضل التجارب الإنسانية الحكيمة المعينة التي
سبقتنا في سعيها ؛ لننطلق فيها بزاد ملأه الصدق و الحب و التفاؤل و
الأمل ؛ من أجل تحقيق إنسانيتنا.
|