|
قال لي: سأتحدث
معك اليوم عن الأشياء التي ستساعدك و تساعد غيرك كي تستطيعوا بناء
أنفسكم من الناحية الروحية.
سأبدأ معك من التربة وكيف يتم تهيئتها لاستقبال البناء, إن
البنائين لن يكتفوا بإزالة طبقة واحدة منها, ولكن سيقومون بإزالة
طبقات وطبقات.. إنني أريدك أن تتوحدي مع هذه التربة و ما ستمر فيه
من عناء أثناء الحفر, فهي تتحرر و تتطهر أثناء إزالة أجزاء منها,
وهذا ما يحدث للإنسان أثناء رحلته في البحث عن أصل وجوده, إنه يحفر
في أعماق وجوده، و يحاول أن يميز ما هو حق، و ما هو وهم, لكن ما
أصعب هذه التجربة! فسواء أكان ما بداخله حق أو وهم ففي النهاية
كلها جزء منه.
*هنا سألته: وكيف لي أن أعرف أو أميِّز إذا كان ما بداخلي حق أو
وهم؟
فقال لي: سأعطيك مفتاحا ليساعدك على التمييز, بداخلك نفحة إلهية
إذا توجهت إليها ستلهمك, اسألي نفسك دائماً أثناء التوجه لها: هل
ما أرنو إليه باقٍ أم فانٍ؟
كل ما هو من الأرض سيعود إليها, فلماذا تتمسكين به ؟ إنك لا
تستطيعين أخذه معك, كل ما لديك على الأرض هو مجرد وسائل يعطيها لك
الله كي تكسبي, أو كي تستطيعي أن تعيشي.
من الناحية الخارجية عليك أن تتحرري من" المال"؛ لأنه مجرد وسيلة,
عليك أن تضعيها في حجمها و لا تتركيها تبتلعك. حب المال جزء كبير
جداً من مشاكل مجتمعاتكم، ولو تحرر البشر من المال فلا يمكن أن
تتخيلي السلام الذي ستعيشه أمتكم.
أيضا عليك أن تتحرري من" التعلق و حب التملك " لأولادك, أو لزوجك,
أو أمك, أو لأي كائن خارجي, لا تنسِ أنهم نعمة من الله كي يساعدوك
و تساعديهم في رؤية الحق من زاوية مختلفة.كلما اتسعت لرؤية الحق و
معرفة الحق ستكون نظرتك أشمل؛ لأنك لا تنسبـي الأفضلية و العلم و
الحكمة لك وحدك، و لكنك في هذه الحالة ستجدين في كل ما حولك معلما
لك (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). وتستطيعين أن تتعلمي من كل ما
حولك, أولها الطبيعة، فالكون، ثم تصغر الدائرة حتى تَصل إلى عائلتك
الصغيرة. فإذا نظرت بهذه الطريقة لن تُسجني و تَقعي أسيرة لأي شيء
خارجي.
أما من الناحية الداخلية فالأوهام كثيرة، لكن عليك أن تسألي نفسك
دائماً: ما الذي أستطيع أن آخذه معي بعد الانتقال؟
ستجدين أن محصلتك النهائية لا تتحدد بمظهرك، فتلك هي أول طبقة من
الوهم، فالمحصلة لا تكون بما تقومين به من أعمال خارجية فارغة من
الوعي, ولكن أكثر شيء يؤثر في محصلتك النهائية هو وعيك بأنك ترين
وجه الله في داخلك, و داخل كل من حولك, من هنا حاولي استخدام هذا
الوعي لتكسبي من حياتك على الأرض.
عليك أن تفهمي أن أي شيء يحول بينك و بين أن تري الحق (وجه الله)
في كل شيء هو من تراب جسدك, عليك أن تتحرري منه.
انتهت المرحلة الأولى في البناء، و هي الحفر و التخلص من التراب.
نأتي الآن للمرحلة الثانية و هي وضع الأساس للبناء, و يتكون هذا
الأساس من أربع قواعد .
أولاً:القبلة (الهدف- التوجه)
ثانياً:الصلاة (الصلة بهذه القبلة) وينتج عن هذا المدد
ثالثاً:الحب (طاقة تساعد الإنسان على تطهر القلب)
رابعاً:الأمان و السلام
تساءلت: هل في هذا الترتيب هدف معين؟
نعم طبعاً .إذا أردت البناء عليك أن تختاري أولاً :ما نوع البناء
الذي تريدينه .. بناء دنيوي أم بناء روحي؟ فكل منهما له قبلة و
مصدر, قبلة البناء الروحي هو الرحمن, و مصدر قبلة البناء الدنيوي
هو الشيطان, فبِناءً على هذا القرار ستبدأ رحلة الإنسان, لأن
الإنسان الذي بلا هدف و بلا قبلة هو ضائع, لذلك عليك أن تحددي
قبلتك. بعد ذلك تأتي المرحلة الثانية و هي أن تقيمي صلة بهذه
القبلة, هذا ما تفعلينه كل يوم في صلاتك, عليك أن تعلمي جيداً أن
القبلة لها أصل، هي مجرد رمز لهذا المصدر, ينتج من هذه الصلاة أو
الصلة طاقة جميلة، تسمى بالحب، و ليست عاطفة، لكنها حب, و حب غير
مشروط وهو الرحمة المهداة التي تساعد الإنسان على أن يرق و يشف؛
ليصبح أكثر حساسية, ليرى ما وراء الحجاب، فالحق دائماً غير واضح، و
لكن المؤمن يرى و يميز الخبيث من الطيب, إذا ملأ الحب و الرحمة
كيان الإنسان سيتذوق المعنى.
(القاعدة)الرابعة وهي السلام و الأمان. يقول الرسول صلى الله عليه
وسلم "كان لي شيطان و لكن الله أعانني عليه فأسلم". إذا قام
الإنسان في الأربع قواعد يمكن أن نطلق عليه الآن أنه مسلم؛ لأنه
أسلم وجهه لله و رسوله, لكن أساس هذا البناء غير مرئي لأي إنسان
آخر مثل بذرة أي شجرة. أساس أي عمارة لا يستطيع أن يراه أحد, لكن
بوعي الإنسان و إيمانه يحثه الحق داخله لأن يعرف أنه كامن وراء هذا
الحجاب الجسدي.
ما الفرق بين البنيان السليم و البنيان الواهي ؟
الفرق في معرفة الإنسان بقانون الحياة ( أو البناء) لأن البناء
الواهي هش ليس له أساس، فينهار تحت أي ضغط .
ما هو البناء الظاهر؟
هو عمل الإنسان بوعي أنه يريد أن يكسب من وراء أي عمل يقدمه، و
ليس هدفه هو العائد المادي، وإنما المنفعة العامة, وهذا يعود عليه
بالنفع الحقيقي؛ لأنه إذا استطاع الإنسان أن يخدم البشرية بأي
طريقة يكون أول من انتفع من الناحية الحقية، حتى إذا كان من
الناحية المادية قام بتضحيات و عطاء.
ما هي نتيجة الإنسان الضائع أو الذي سار عكس القانون ؟
إنها خسارة فاجعة؛ لأنه سيقتل الحياة بداخله فلم يكن له وجود.
البناء هو الدليل الوحيد على وجودك, لذلك حياتك على الأرض قيَّمة
جدا, لا تهدرها؛ بأن تهدر وقتك الثمين و طاقتك.
في أعمال البناء كسبٌ، فهي وسيلتك الوحيدة للفوز بالحياة, لا
تستطيع البناء بعد أن تنتقل و يكشف عنك الحجاب .
" أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا
جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ". ( سورة التوبة آية 109).
|