قد يرى البعض أن الإنسان يشترك مع الحيوان في بعض غرائزه، ولكن من وجهة نظر أخرى فإن كل ما يحمله الإنسان حتى ما يتعلق بالجسد هو إنساني. وقبل هذا وبعد هذا فالإنسان روح لا جسد، ولا أقول روحا متسربلة بالجسد، إذ أن الجسد تعبير للروح عن نفسها، وتجلي لها. والإنسان لذلك كل معقد مما دعا ألكسيس كاريل أن يطلق عليه "الإنسان ذلك المجهول". فإذا كان وجوده لا يفنى بتوقف الوظائف الفيزيقية عن العمل، إلا أن هذا الجسد يَكْسب شرف الوجود طالما كانت هناك حياة تدب فيه، ولذا فإن توقف الجسد عن العمل، يعني أن هذا الجسد لم يعد ينتمي إلى "الإنسان" ، وعاد إلى الأرض، وأما الإنسان فإنه يبقى في وجود آخر، لا يعلمه إلا علاَّم الغيوب. وفي كل الأحوال فنحن عندما نتحدث عن الإنسان فإننا لا نراه إلا في هذا التجلي الأرضي، وفي هذه الصورة البشرية، وندرك أن هذا التواجد يحمل قدسية بما أودع الله فيه من قدرات، وبما كرَّمه به الله.
إذا أردنا مجازاً أن يكون هناك تعريف للإنسان، أو محاولة للاقتراب مما يفرق بين الإنسان وبين سائر الكائنات، لعل "الإرادة" تكون هي أكثر الصفات إنسانية ؛ لأنها تعبر عن خاصية إنسانية متميزة , هي أصل لتاريخ الإنسان على هذه الأرض، فلقد تحدى الفناء في عالم يذخر بكل أنواع المخاطر البيئية والطبيعية، من حيوانات متوحشة، إلى ظواهر طبيعية مدمرة، وإلى بيئة تستعصي على الحياة، ولكن إرادة الحياة وجهت العقل البشري لاستئناس الطبيعة والحيوان، وإعادة تشكيل البيئة لتكون صالحة له للعيش فيها، ووجهته ليرى النظام في الكون ويفسر ما حوله فتنشأ العلوم ، وتتبلور العقائد ، ومن ثم تنشأ الحضارة.
والإرادة تستتبع أن يكون للإنسان قدرة على الاختيار، فهو المخلوق الوحيد الذي يملك أن يفسد في الأرض ، هكذا رأته الملائكة عندما اعترضت على خلق آدم أبو البشر "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، وهكذا جاء الإنسان ليفسد ويسفك الدماء كما يشهد عليه التاريخ. وبالقدر الذي هو كائن مدمر، هو كائن متميز بما أودع الله فيه من سره، وبما نفخ فيه من روحه، وبما فضله بالعلم "إني جاعل في الأرض خليفة"، "وعلم آدم الأسماء كلها"، وهكذا نشأت الحضارات وتطورت البشرية على مر السنين. وتشهد الأرض في كل لحظات التاريخ الإنساني في صورته المدمرة الجاهلة، وفي صورته العاملة للخير، المعمرة للأرض . فلم يمح ما أطلقنا عليه أنه تطور حضاري من ميل الإنسان إلى الإفساد والدمار , بدليل ما نراه حولنا من دول عظمى وصلت إلى قمم معرفية علمية غير مسبوقة، ومع ذلك تتصرف مع باقي العالم بصورة وحشية غير إنسانية.
ولأن الإنسان قادر على التدمير والإبداع، على نشر الموت والدمار، و أيضا بعث الحياة وعمارة الأرض، فإن رحمة الله به تأبى إلا أن تذكِّره بأصله، بعهده مع الله "إذ أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالو "بلى"، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين". فالرسالات السماوية تجيء للإنسان كي تخرجه من الظلام إلى النور، ومن الجهالة إلى المعرفة، ومن رغبته في إفناء نفسه، إلى كيفية كسب الحياة، فالرسل دائما تدعو الإنسان إلى ما يحييه، وتدعوه إلى تذكر المبدأ الأصلي الذي من أجله خلق ، ألا وهو أن يكون عبدا لله. وعبودية الإنسان لله فيها خلاصه من القيود التي يكبل بها نفسه، ومن الأوهام التي يخلقها بفكره. ولكن علينا أن نفهم جيدا أن هذه العلاقة بين الإنسان وربه لا تقوم على الترهيب والخوف، ولكن تقوم على الحمد والشكر لله واهب الحياة، والذي إليه نعود، فهي تستلزم وعيا بمن هو الإنسان، وإلى أي مصير سيكون.
الإرادة والقدرة على التأثير هي التي تجعل الإنسان سجينا للأوهام، وهي أيضا التي تُخرج الإنسان من القيود إلى واسع الحرية. لا تشير القدرة على الاختيار وحدها إلى الحرية، إذ أن الإنسان الحر حقا هو من يتصرف انطلاقا من مركز إرادة لا تعرف الخوف، ولا يجري وراء الوهم، ولكنه إنسان بصير، مدرك لحقيقة وجوده والغاية منه، ومتطلع إلى حياة لا تعرف الموت، لأنه يدرك جيدا أن الله قد خلقه ليحيا بما أودع فيه من سره وأن إلى الله المصير.
ومن أعجب الأمور التي تميز هذا الكيان البشري أنه يلجأ دائما إلى سجن نفسه في أفكار من خلقه، تبعده عن أصل وجوده ومغزى حياته، ويتعامل مع هذه الأفكار على أنها حقائق مطلقة، وقد لا يفيق إلى هذه الجهالة التي تسربل وجوده إلا وقد أدرك أن حياته قد مرَّت بدون التفكر في أصله الروحي، وفي مستقبله الروحي يظل الإنسان عبدا لما تفرضه عليه القيم التي نشأ عليها، والتي تنتشر من حوله وتبعده عن التمييز بين الغث والثمين، بين الضروري وما يبنغي أن يكون له أولوية، وبين الثانوي الذي لا أهمية مطلقة له. فها هو إنسان يفني عمره في كنـز المال، أو الصراع على السلطة، أو التباهي بالنسل والعزوة، وإذا به بعد طول عناء، ومشقة يبدو له أن عمله هباء تذروه الرياح.
لقد أطلقت الأديان على هذه الحالة من الضياع أسماء مختلفة مثل "الشرك"، "الضلال"، "الكفر" ، "الظلم" وكل مفهوم من هذه المفاهيم يوضح للإنسان كيف أنه تنازل عن حريته وأصبح سجينا لمعبودات من وهمه. فإذا كان عهد الأصنام بشكلها التقليدي قد ولى بتطور العقل البشري، إلا أن قدرة الإنسان العقلية على خلق أصنام فكرية ما زالت تعمل بقوة وبشدة. وهذه العقلية التصنيمية – إذا جاز القول – لها سمات محددة، فهي تتعامل مع الزائل على أنه باقٍ، ومع النسبي على أنه مطلق، ومع الأوهام على أنها حقائق, وبالتالي يفقد الإنسان حريته، لأنه يصبح سجينا لما خلقه بفكره.
من السهل إذا سألت هذا الإنسان إذا كان مؤمنا بالله أن يجيبك بيقين أنه مؤمن، ويدلل على هذا بقيامه بكل ما ينص عليه الدين – مسيحيا كان أم يهوديا أم مسلما- ولكن ما تلبث أن تدرك أنه ينهك نفسه وفكره وحياته في أهداف جزئية يستغرق فيها، دون أن تخدم الهدف الكلي من وجوده. هذه الأهداف قد تبدو نبيلة ومفيدة، ولكن الهدف الكلي من حياته يضيع من تحت قدميه، عندما تصبح هذه الأهداف غايات مطلقة، فهذا يريد أن يكون مليونيرا، وذاك يريد أن يكون ذا مركز متميز في المجتمع، وهذه تريد أن تتزوج وتنجب ويكون لها أسرة، وتلك تريد أن تحقق طموحاتها المهنية، أو الأسرية، وقد تكون هناك أهداف أكثر تواضعا من هذا وذاك، ولكن يظل الإنسان يفكر في المحدود وينسى ما وراءه.
هل يعني هذا أن يتوقف الإنسان عن الحلم، وعن الطموح، بالطبع يكون في هذا الطلب مبالغة غير واقعية، وغير مستقيمة في نفس الوقت، ولكن إذا نظرنا إلى كل تلك المتطلبات السابقة، لوجدنا أنها تتركز في تلبية رغبات للذات الصغرى ، للأنا المتقوقعة في وجودها الفيزيقي، وهذه الذات الموقوتة بطبيعتها تعمل على تجاهل العنصر الباقي فيها، وتسجنه في أهوائها ورغباتها، فلا يعبر عن نفسه، بل وتظل تجري من هدف إلى آخر على غير هدى، هاربة من الصوت الداخلي، النفحة الربانية التي ينطوي عليها جهاز كل إنسان أرضي، والتي تنشد الانطلاق.
إن الوعي الروحي هو الذي من شأنه أن يوفر للإنسان قدرا من الإدراك يجعله في توازن مع متطلبات حياته الأرضية بما فيها من كسب للقمة العيش، وإشباع للحاجات الأساسية، وبين الغذاء الروحي الذي تتطلع إليه الروح. الوعي الروحي في هذا السياق لا يُوجِد صراعا بين متطلبات الجسد والذات الأرضية، وبين التطلع إلى غاية أعلى وهدف أسمى للحياة من مجرد تلك الأهداف الجزئية.
إن الوعي الروحي يعيد للإنسان صياغة حياته الأرضية من منظور جديد، قد لا يغير من نشاطه اليومي، ولكنه يجعله يرى كل شيء من منظور يتلائم مع إدراكه بحقيقة الحياة الأرضية، وبالغاية من الوجود البشري. بعبارة أخرى إذا تأكد للإنسان أنه روح وليس جسدا سينظر إلى تلك الحياة على أنها مزرعة الآخرة فعلا، فلا تصبح الأهداف الخاصة هي التي توجه سلوكه واختياراته بقدر ما يكون هناك نظرة أكثر شمولية ، من حيث كيف يجعل من حياته الأرضية حياة نافعة، فيها خدمة وتقديم عون، ويلهمه في هذا رغبة صادقة في التحرر من ضغوط الأوهام التي يفرضها عليه المجتمع، بل إنه سيكون حينئذ قادرا على تغيير هذا المجتمع بكل قيمه الواهمة المتصدعة.
كانت هذه دعوة لا إله إلا الله التي دعا إليها الرسول (ص)، دعوة أن يهجر الإنسان الشرك الخفي , وأن يتحرر من عبوديته لكل زيف يتخذه إلها , فعبوديته لله هي التي ستجعل منه إنسانا حرا بحق. وتلك العبودية تتمثل في إدراك مكانته في الوجود، فهو المخلوق الذي كرَّمه الله بالإرادة وبالقدرة على الاختيار، وهو المخلوق القادر على أن تتناغم مشيئته مع مشيئة الله به إذا ما تحرر من الأوهام، ولهذا فإنه سيجد قمة الحرية في أن يكون في قمة الطاعة لله، وسيجد أن قمة الطاعة لله، هي في إيقاظ وعيه الروحي، إذ أن هذا الوعي سيدفعه دفعا كي يحقق الهدف والغاية من وجوده، ولن يجد وسيلة أفضل لبلوغ هذا الهدف مما جاءت به الرسالات، حيث أنها كلها جميعا جاءت من أجل أن يحقق الإنسان حريته الحقة، وأعطته الوسيلة في العبادات وفي المعاملات، ليس بصورة فوقية فرضية، ولكن استجابة لدعوة الإنسان أن يهديه الله، وبدون طلب الإنسان الداخلي فإنه لن يستطيع أن يكون متوائما ومتناغما مع رسالة الرحمة الإلهية.
بعبارة أخرى فإنه إذا استيقظ الوعي الروحي في الإنسان فإنه سرعان ما يكون متشوقا ومتطلعا إلى الخروج من ربق العبودية للأوهام، وسيبحث عن الوسيلة التي تدعم رؤيته، وتشد عزيمته، وسيجد أن الإرشاد السماوي يشبع حاجته، فيرتوي بقدر حاجته، ويدرك خطاب الله له في حديثه القدسي "عبدي أطعني فيما أريد، أكن لك فيما تريد". وهذا منتهى الحرية.