نختار لمحات من خطراته ونظراته تقول:

 

·       من لا أخوة له في دين ..لا سبيل له إلى اليقين.  "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"[1] 

·       القلوب تتآلف عبر الزمان وعبر المكان وإن لم تتلاقى القوالب في الأزمان والأوطان

·       الكلام لا وقع له عند السامع ما لم يكن له وقع عند المتكلم

·       الكلام الحي يربط بين المتكلم والسامع لجمع ما فيهما من حياة في حياة أكبر ليست هي حياة المتكلم ولا حياة السامع ولكن حياة المحيط بالسامع والمتكلم

-----

وتستلهم ابنته علياء رضاه هذه اللمحات قائلة:

من وحي هذه الكلمات أكتب

فهي لي نور وهدى

أتأمل فيها دون شرح لمعانيها

وأفتح الباب من خلالها لكل من يقبل راغبا

للاستزادة من زادها

                    

          تساءلت مع نفسي وتردد هذا السؤال في حوار مع من ارتبطنا معا في طريق الحياة من اخوتي في الله، مستكشفين في رحلتنا معنى وهدف يفوق تلك الأهداف الجزئية التي يقف الناس عندها عادة فتستهلكهم وتهلكهم: هل يمكن للإنسان أن يخرج من المحدودية التي تحصره في ذاته الصغرى وتضعه في مقابلة الآخر، إلى رحاب الوحدة الإنسانية فيرى في الآخر امتدادا لنفسه، ويرى  في نفسه امتدادا للآخر؟

          لا شك أن هذا ممكن، فكل دعاة الحب والخير والسلام، الذين قاسوا في الحياة متجاهلين مصالحهم الفردية، قد أمكن لهم الخروج من أناهم الضيق.

          نعم من الممكن أن يخرج الإنسان من حدوده الثقافية والجغرافية ويتلاقى مع أخوة له في الإنسانية في كل مكان. ولكي يمكن للإنسان ذلك لا بد أن يتواجد عنده الوعي أولا بما يسبب له أن يكون مسجونا في دائرة "الأنا". أحد تلك المعوقات للإنسان في انطلاقه الفكري هو أنه ينشأ على معتقدات يأخذها الخلف من السلف على أنها حقائق، فيصبح محصورا فيها، غير قادر على التعرض لها نقديا أو فكريا، خوفا ورهبا، أو استسلاما واستكانة.

          إن الخروج من سجن الأنا الصغرى يلزمه تأهيل، فلا يتم بمجرد الرغبة فيه، ولكنه يتطلب جهادا روحيا وعقليا، عندما يأخذ الإنسان على عاتقه مراجعة الثوابت الثقافية مراجعة نفسية وعقلية. فالتحدي الأعظم لأي إنسان هو أن يشكك نفسه فيما جبل على الاعتقاد أنه بديهة، فيعيد رؤيته مرة أخرى، ويستبعد كل ما يجعله "عدوا" لأخيه الإنسان، ويبحث عما يقربه بالمحبة لكل البشر. اختراق البديهة الاجتماعية والخروج منها هو السبيل  إلىالتجديد والتجدد المستمر الذي نحن في أشد الحاجة إليه إنسانيا. 

          بعث تلك الحياة الداخلية تتطلب عونا، ليس فقط عونا فكريا، ولكن عونا روحيا. إذ أن تواجد المثاليات العظمي قد غير تاريخ الإنسانية في كل الرسالات السماوية، وأيضا المثاليات الروحية الإنسانية قد غيرت تاريخ الإنسانية، فهل يمكن أن ننسى غاندي ودعوة المحبة متحديا قومه والمتعصبين منهم للهندوسية، ألم يستضيء بوذا بالمعاناة الإنسانية، فترك القصر والحياة الهنية متفاعلا مع آلام البشر، طالبا إجابة عن سر الحياة ومعناها؟ وهناك الكثير ممن لا نعرف ولكنهم أثروا على القريبين منهم، المتطلعين إليهم.

          الإنسان في حاجة إلى عون أخيه، فإذا علم أمرا فقد أصبح مكلفا بنقله إلى أخيه، لأنه لا يمكن أن يؤمن إنسان مالم يحب لأخيه ما يحب لنفسه. مشاعر الأخوة الإنسانية هي التي يمكن أن تحركنا في طريق العمل "الصالح".. نسير معا ونعطي من أنفسنا إلى أنفسنا في أخوتنا.

          وكلمات أبي المضيئة تؤكد هذه المعاني، وقد كان هو تجسيدا لها معنا، ومع أبنائه في الطريق.. طريق الحق والخير والمحبة. فهو يعبر عن ضرورة التآخي في الله، ويعبر بمعنى الأخوة نطاق الزمان والمكان. ويشير إلى أن التواصل بين البشر ليس عن ترديد الكلمات، ولكن عن تلك الطاقة التي تحملها الكلمة لأنها انفعال المتكلم بما يعتقده، فتصل تلك الطاقة إلى السامع، ويستمع إليها إذا استقبلها طاقة قبل استقبالها له كألفاظ، وهذا هو تخطي التواصل البشري إلى ماوراء الأشكال. هذا التواصل يجعل النغمة كتلة من المشاعر، والخطوط في لوحة فنيه رسالة إلى قلب، وتصبح كلمات من يتحدثون من الأعماق هي استعادة طاقة الحياة المنتشرة في الوجود في كلمات نافذة، تعيد تشكيل الإنسان، وفتخرجه من الظلمات إلى النور. 

يقول أبي:

·       من لا أخوة له في دين ..لا سبيل له إلى اليقين.  "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" 

          توحي إلي كلمة "أخوة" بمعان كثيرة. إذ أن الأخوة ارتباط ومحبة وعلاقة حميمية. والأخوة في الدين تحمل هذه المعاني وتنعشها. ليس المراد هو رسم صورة محددة لضرورة وجود شيخ ومريد بالمعنى التقليدي الشكلي المتعارف عليه في الطرق الصوفية، ولكن هذه الكلمات هنا تأكيد على معنى ضروري يسعد الإنسان ويوفر له الأمان الداخلي بأن يشعر بوجود أخوة إنسانية له حتي إذا لم تتوفر له في حياته الظاهرية. أي أنه حتي لو كان الإنسان وحيدا في ظاهر أمره يسعى فلا يجد من يدعمه، فعليه أن يحتمي دائما بالمشاعر الداخلية التي تؤكد لها أن هناك من سبقه في طريق السعي[2]، وأن له أخوة و صحبة في "رسول الله". أما من يعتقد أنه قد وصل إلى معرفة لم يسبقه إليها أحد في العالمين فهو لن يستمع إلى أخيه في الله، وسيسد الأذن والعين. ولذا فإن الصحبة في الدين واجبة، إذ أنها الأمان والسكينة والمودة والرحمة التي تربط بين قلوب البشر، فتزيدهم يقينا إيمانيا.

من ناحية أخرى فإن الحديث  المذكور يضع على الإنسان مسئولية اختيار الرفيق، إذ اختار رفيقا يغرر به في اعطاء الأوهام صفات الحقائق، ويسلب منه قدراته باسم المتابعة، ويفسد عليه وقته باسم الترفيه، فإن الإنسان هو المسئول الأول والأخير عن اختيار الرفيق، فلا يجتمع إثنان قد اختلفت وجهتيهما.

          والأخوة في الدين هي ارتباط القلوب على هدف واحد، ومؤازرة الأخوة بعضهم لبعض، حتى يسيروا على هدى تنيره لهم علاقة المحبة بينهم. ولهذا كانت الأخوة في الله قوة، تعين كل على التوجه وعلى أن يقف على أرض ثابتة من اليقين. فإذا كانت الأخوة في غير طريق الله، فهي تؤدى إلى طريق الهلاك، ولذا فعلى الإنسان أن يتبين الرفيق، حتي يعرف الطريق.

·       القلوب تتآلف عبر الزمان وعبر المكان وإن لم تتلاقى القوالب في الأزمان والأوطان

          الأخوة إذن معنى قبل أن تكون علاقة بين عدد من البشر يتوحدون في مشاركة المكان أو الزمان، ويمكن للإنسان أن يتخطى الزمان والمكان عندما يحاول أن  يتوحد مع الآخر في معرفته وفي رؤيته فوق الزمان والمكان. فكم من إنسان قرأ كتابا قديما في الزمان، وشعر أن كل كلمة فيه تعبر عن إحساس يمر به الآن، وتنير له طريقه يأخذه إلى مستقبل حان. من منا لم يعبر المكان فيقرأ روائع الأدب والفكر في الشرق والغرب، ويشعر أن كاتب هذه الحروف قريب إليه أكثر من أخ له، وأكثر ممن يعيشون معه من الأصدقاء.  إن العلاقة الإنسانية هي علاقة فريدة، لا تتعلق بالتواجد البيئي في ثقافة وفي مكان، ولكنها تتعدى ذلك إلى علاقة فكرية يقترب فيها الإنسان من الإنسان روحا فوق الزمان والمكان، وذلك عندما يحيي الإنسان في أعماق وجوده ما هو فوق الزمان والمكان.

·       الكلام لا وقع له عند السامع ما لم يكن له وقع عند المتكلم

في كثير من الأحيان، نجدنا نقول عن عبارة نسمعها، أو حديث ندعى إلى حضوره "هذا كلام في كلام" ونعني بذلك أن المتحدث يقول عبارات قد تكون رنانة، وقد تكون منمقة، ولكنها لا تصاحبها قوة، ولا توحي للمستمع بفكرة، وإنما تكون أشبه بصراخ ونداء لا يعني شيئا على الإطلاق.  القضية هنا قد لا تكون متعلقة  بقدر ما تعنيه الألفاظ لغويا. فالتواصل لا يتم بالكلمات الجذابة والمنمقة، ولكن هناك ما هو وراء الكلام، هناك الحضور الروحي والفكري للمتكلم، فانفعاله بصدق ما يقول، وصدقه في ذلك الانفعال، يجعل لحديثه قوة تصل إلى المستمع.

·       الكلام الحي يربط بين المتكلم والسامع لجمع ما فيهما من حياة في حياة أكبر ليست هي حياة المتكلم ولا حياة السامع ولكن حياة المحيط بالسامع والمتكلم

          لا يصبح التواصل كلاما بين طرفين، وإنما معاني تحملها ألفاظ، تلك المعاني هي تعبير عن شريان من الحياة يسير بين المتكلم والسامع ويجمع بينهما في وحدة واحدة، الحياة تيار يسير في الإنسان فهو وسيط له، وهو ينقل إلى إنسان من إنسان. ما ينقله المتكلم هو قوة الحياة نفسها التي تحييه، وما يستقبله المستمع ليس كلمات ولكنها طاقة الحياة.

 

          هكذا عبر أبي في تلك العبارات المركزة عن علاقة الإنسان بالإنسان، وعما نحن في أشد الحاجة إليه اليوم. فنحن لا نحتاج إلى "كلمات"، ولكن نحتاج إلى بشر يعيشون ما يقولون، ويعملون بما يدعون، وينشرون الخير بحب الخير، والحب عندما يكون وجودهم هو تجسيد للحب.. يرون في البشر أخوة مهما اختلفت الأزمان والأوطان، يبدأون بأنفسهم، ويرون في الآخرين امتدادا لهم ، ويرون في أنفسهم امتدادا للآخرين، فلا أنا ولا أنت ، ولكن المطلوب هو الحق .. هو الله.  


 

[1] حديث شريف أخرجه أحمد بن حنبل

[2]  وهو ما تشير إليه الكلمة التالية لأبي

 

 
     

       العودة للصفحة الرئيسية