|
|
|
|||
|
تـتردد بين الأشخاص المهتمين بالعلوم الروحية أحيانا ألفاظ ومفاهيم معينة لا تخلو من لبس في الفهم أو عدم دقة في التعبير. ومن أشهر هذه المفاهيم "تكرار الحياوات" أو "تناسخ الأرواح" أو "العودة للتجسد". وغالبا ما يخوض البعض في مثل هذه الأحاديث بناء على مقتطفات مبتورة من أحاديث روحية ثم يضيف لها المتحدث فهمه أو تصوره أو ما ردده آخرون. ونحن في جمعنا نحاول بقدر جهدنا واجتهادنا أن نقدم مفاهيم مستمدة من معلومة موثقة أو تأمل لا يتعارض مع عقل ولا مع فطرة سوية ولا مع أساسيات الرسالات السماوية. بهذا المنهج نقدم عددا من التأملات التي قدمها لنا السيد علي رافع في رده على بعض تساؤلاتنا في عدد من الندوات. س: ما الفرق بين النفس والروح؟ ج: حين نتأمل الآية الكريمة إن {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} نجد أن اللفظ المستخدم هو "النفس". فالنفس من هذا المنطلق ممكن أن نفهم بأنها "ما داخل الإنسان" بدون الجسد المادي. وفي هذه الحالة تكون "الروح" هي الجزء الأعمق في هذا الداخل. فالروحية تكشف لنا أن الإنسان طبقات أو مجالات متعددة. أي أن فيه الذات الكثيفة التي هي المادية، والجسد الأثيري، ثم جسد آخر، وجسد آخر، وآخر، إلى أعمق الداخل الذي هو "الروح" أو سر الله. فلو قلنا أن الحديث عن "النفس" يعني الحديث عن الإنسان بدون جسده المادي، فهي إذن تشير إلى كل ما داخل الإنسان بدون الغلاف الخارجي الذي هو زائل. وإذا تكلمنا عن الإنسان بذاته يكون كلامنا عنه كذات لها طبقات إذا ما استبعدناها جميعا فثم تكون "الروح".[1] س: هل هناك فرصة للإنسان أن يصحح أخطاءه ويتقدم في الطريق الروحي بعد انتقاله من هذه الأرض بالعودة إليها مرة أخرى؟ موضوع العودة إلى الأرض أو الكرات موضوع تخوض فيه الناس في كثير من الأحيان دون وعي ودون فهم ويؤدي ذلك إلى مشاكل كثيرة. وفي حين أن المصادر التي تحدثت عن الكرات أو تعدد الحياوات مثل الاتصال الروحي أو ديانات الشرق الأقصى لم تتكلم عن تفاصيل أو عن آلية معينة نجد أن الناس تتحدث عن تصورات فيها كثير من التجسيد الخاطئ والانحراف في الفهم. فحين يقال مثلا عن إنسان ما أنه جاء مرة أخرى إلى الأرض أو أن قديمه كان "فلان" لنا أن نتساءل: كيف جاء؟ وهل ما اكتسبه الإنسان الذي انتقل من الأرض منذ مائة سنة أو مائتي سنة أو ألف أو ألفين من السنين وجاء للأرض مرة أخرى يجيء تلقائيا مع المولود الجديد؟ الواقع يقول: كلا. المولود الجديد على الأرض يبدأ في تعلم كل شيء من جديد. ولم يحدث أن وجدنا طفلا ولد على الأرض وهو يعرف اللغة أو علوم الرياضة أو الفيزياء مثلا التي تعلمها من قيل عنه أنه قديمه بل هو يتعلم كل شيء من البداية. إذن يحق لنا أن نفهم الموضوع بطريقة مختلفة فنقول إنه من الممكن أن يولد إنسان على هذه الأرض ويكون مرتبطا بمعنى قديم كان على الأرض في سابق وموجود في عالم الروح، وهذا الارتباط يعبر عن نفسه في أن هذا الإنسان الموجود على الأرض يتلقى إلهاما من العالم الآخر وهو لا يعرف من أين يأتي له هذا الإلهام، أو لماذا يتفوق في مجال ما بعينه مثلا. وممكن أيضا أن الإنسان الموجود على الأرض ينفع هذا القديم من خلال ارتباطهما بصورة ما لا نريد أن نجسدها، ولذلك نجد أن الروحية حين تحدثت عن الكرات لم تقل أن روحا واحدة تأتي على الأرض عدة مرات، بل قالت دون الدخول في التفاصيل إن الكرات هي ارتباط بين مجموعة من الأرواح بما يشبه وجود ماسة واحدة لها وجوه متعددة، وكل وجه يضيف إلى جمال هذه الماسة بما يكسبه من ارتقاء.[2] وعندما نتأمل حديث الرسول " ينقطع عمل ابن آدم إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" ، نجد أن الفكرة الأساسية هي أن هناك ارتباطا بين الإنسان بعد انتقاله من هذه الأرض وبين معانٍ يمكن أن يكسب من خلالها على هذه الأرض مثل امتداده في ولد صالح يدعو له أو في صدقة جارية أو في علم ينتفع به. عندما ننظر إلى هذه الوسائل التي أشار إليها الحديث في ضوء ما يقال عن التناسخ الروحي أو معاني امتداد الحياوات وتكرارها، يمكن القول أن الابن في هذه الحالة يعتبر جديد الأب، حيث أن الأب يكسب من خلاله. ولكن القضية أكثر تعقيدا من ذلك ولا نستطيع أن ندخل في تفاصيلها، لأن هذه التفاصيل غيب علينا. الولوج في تفاصيل لا ندرك طبيعتها هو ما يؤدي إلى بلبلة في بعض الأحيان. في كل الأحوال يجب أن يدرك الإنسان أن الحياة على هذه الأرض لها قيمة كبرى وأن يعمل جهده كي تكون كرته رابحة. ومع هذا الفهم والإدراك فليس هناك ما يمنع أن يأمل في كسب المزيد بعد الانتقال من خلال امتداده في عمل صالح أو علم نافع أو ابن يدعو له ويكمل رسالته. وهذا يســاعده علـى الأمـل المسـتمر فـي رحمـة الله به ، فيدرك أن الله يرحمه بطرق مختلفة. [3]المضمون الأساسي هو أن الإنسان ممكن بعد أن يخرج من هذه الأرض يكون له امتداد عليها، وهذا ما نتعلمه من السنّة الشريفة وهي تقول إن الميت يرزق كما يرزق الحي بقراءة الفاتحة مثلا، أو أن إنسانا ما يحج عن الميت وسيصله ثواب ذلك الحج. فهنا يمكننا أن نقول رمزا أن من يحج هو الجديد وهو يحج عن القديم الذي يكسب وهو في العالم الآخر من خلال جديده الموجود على الأرض .. هذا ما يمكن أن نفهمه عن الكرات دون تجسيد. وبعض النظر عن فكرة الحيوات فإن كل ما يقوم به الإنسان يؤثر علي قادمه وهذا معني القول الكريم {من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}. ومعني {ووجدوا ما عملوا حاضرا} . ما يهمنا في المقام الأول هو أن نفهم أن قضيتنا اليوم هي أن نوقن أن لنا رسالة، وأن الإيمان باليوم الآخر هو إيمان بأن الإنسان قد خلق للأفضل وليزرع في هذه الحياة ما يحصده في قابله. [4]
س: ما الفرق بين الحلم والرؤية؟ نستطيع أن نجيب عن هذا التساؤل بنوع من الاستنتاج مما هو موجود في العلوم المختلفة. فالحلم يكون نوعا من أشياء موجودة داخل الإنسان نفسه، يسميها العقل الباطن .. يسميها اللاوعي، ويتجلى له أثناء النوم.. أي أن ما يتجلى في النوم له علاقة بوجوده الأرضي، هذا شيء ممكن .. وهو الحلم. إنما "الرؤية" من الممكن أن تكون انطلاقة "النفس" في عالم آخر فيرى أشياء ويلتقي بأشخاص أو ما شابه ذلك. هنا طبعا يكون الزمن مختلف فقد يرى شيئا يكون لم يحدث بعد في زمن الأرض أي يكون في معنى المستقبل بالنسبة للأرض، وربما تشتمل تلك الرؤية على بعد حقي بمعنى أنه رأى فعلا شيئا موجودا في عالم آخر أو في بعد زمني سيحدث على هذه الأرض، وحين يرجع يتذكره. إذا حدث ذلك من الممكن أن نسميه "رؤية" [1] ندوة السبت 19 مارس 1994 الموافق 7 شوال 1414 [2] ندوة الأربعاء 7إبريل 1999م الموافق 21 من ذي الحجة 1419 هـ [3] المصدر السابق [4] 11نوفمبر 1995
|
||||