الإرادة |
||||
|
منى حسني
نظن دائما أن دور إرادتنا هو تطويع الظروف الخارجية لما نراه نحن صالحا، و هذا هو الجزء الظاهري من دور الإرادة و يجب أن نكون في منتهى الحذر معه. فما نراه نحن نراه بعقلنا القاصر جدا، فالعقل وحده لا يستطيع أن يزن الأمور لأنه أيضا يتعامل مع الجزء الظاهري فقط منها أما الأسباب الغيبية و التي هي الأساس و الحقيقة وراء الأشياء فلا تعامل للعقل البشري معها. التعامل مع الغيبيات يكون من خلال القلب الذي يتلقى النور حينما يكون في حالة تؤهله لتلقي هذا النور و يرسله إلى العقل ليدخل في الفهم نوعا من التوازن الحقي فيكتسب الإنسان الحكمة أي يصل إلى درجة من التوازن تعتمد على أهلية العقل لاستقبال هذا النور. لهذا السبب فالناحية الباطنية للإرادة هي الأهم و الأنفع للإنسان حينما يفلح في استعمالها في إخضاع نفسه و شخصيته للتسليم التام بقضاء الله و قدره عن طيب خاطر و صبر جميل لأنه على يقين بأن لله حكمة في خلقه فلم يخلق شيئا عبثا أبدا و كذلك على يقين بأن عقله قاصر و محدود جدا فلا يمكن أن يستوعب حكمة الله و كمال خلقه. إخضاع الجسد لفعل ما صحيح و حقي هي خطوة و لكن الخطوة الأصعب و التي هي غائبة عن عقول أناس كثيرين هي إخضاع النفس لتقبل الشيء الحقي الصحيح بنفس راضية مسلّمة لأن الأشياء في كثير من الأحيان تبدو قاسية مؤلمة و مع أننا نعرف معرفة القلب و ليس العقل أن باطنها رحمة و أنها دروس مستفادة لتقدمنا الروحي فالنفس تجد صعوبة في تقبلها. و ما يجب أن نعرفه جيدا هو أن الأهم من تقبل الأشياء ظاهريا هو تقبلها باطنيا عن نفس راضية و إلا فالاختبار أو التمرين الروحي هذا سيظل يتكرر إلى أن يخضعنا تماما مسلّمين بأمر الله. و الوصول بالنفس إلى مرحلة التسليم التام لا يكون عبر القهر لأنه غالبا ما تكون نتيجة القهر و الكبت هي الانفجار أي زيادة في الاعتراض و النقمة و هذه نتيجة حتمية و منطقية. فالنفس طاقة أو طاقات متعددة مركبة، فيها طاقات حيوية و طاقات حسية و طاقات فكرية و طاقات روحية. و رغبات النفس هي أيضا طاقات و عندما أركز على رغباتي حتى و لو كان تركيزي هو في التخلص منها فهذا التركيز و الذي هو طاقة عقلية أيضا في حد ذاته يزيد من هذه الرغبات و يقويها. و كذلك المشاكل، لو كانت لدي مشكلة فالتركيز عليها يكسبها قوة. و الحل الأمثل في هذه الأحوال هو عكس ما يفعله معظم البشر. هو تهدئة العقل تماما عن التفكير لألا يجمح بنا في دوائر لا متناهية من الأفكار المتكررة القاصرة عن إدخال التوازن في الأمور. و حينما يهدأ العقل يصبح الإنسان جهازا أفضل للاستقبال بواسطة قلبه الذي هو العضو المؤهل لاستقبال النور و إرساله إلى العقل فيتم التوازن المطلوب بواسطة نور الحكمة و الذي هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى التوازن الحقي. و وسائل تهدئة العقل موجودة في كل الأديان، أولها و أهمها هي الصلاة بكل أشكالها و معانيها. فالصلاة هي إقامة الصلة مع الله و أيا كان شكلها فجوهرها واحد لا خلاف عليه. الصلاة بمختلف أشكالها تتيح الجهاز البشري لتلقي النور و الحكمة فتزيد من التوازن، هذا التوازن يهدئ العقل و يفسح الطريق لنور أكثر…و هكذا. هناك أيضا الصوم و هو موجود في جميع الأديان. و لنستفيد حقا من الصوم يجب أن نستقيم في تأديته كما يجب و الذي لا يحدث في معظم الأحيان. فالصوم هو إخلاء للجهاز البشري من الطاقات الدنيوية لفترة من الوقت ليحيا الإنسان بطاقاته الروحية فقط فيمده الله بالنور الذي أصبح هو أهلا لاستقباله مدركا بل و متيقنا أن وجوده هو أبعد و أرقى بكثير من الوجود المادي الذي نعتاد عليه فيخدعنا و نظن أننا هو فقط. كذلك هناك وسائل أخرى كالتواجد في الأماكن المقدسة و كالدعاء و التأمل و التسبيح و ترتيل و تجويد الآيات و ليس هناك متسع هنا للتحدث عن كل وسيلة منهن على حدى ولكن في الحديث عن الإرادة و النفس و ترويضها يجب أن أتعرض لعامل في غاية الأهمية و هو الزكاة. الزكاة تحدّث عنها الكثيرون و قالوا أنه لو دفع كل فرد ما عليه من زكاة في المجتمع لما بقي فرد فقير أبدا على وجه الأرض. و هذه هي بالفعل القيمة الجميلة الظاهرية للزكاة و لكنني هنا سأتحدث عن القيمة الباطنية التي لن نصل أبدا بقصورنا البشري إلى منتهاها. الزكاة في شكلها الظاهري هي تخلي عن الشيء و إعطاءه للغير أي خسرانه، و الحقيقة هي أنها في باطنها كسب و لا كسب حقيقي لأي شيء في الدنيا سواء مادي أو معنوي إلا بها. يظن الإنسان أنه يمتلك الأشياء بأخذها لنفسه و الحقيقة هي العكس تماما فلا امتلاك حقيقي لأي شيء إلا بالتخلي عنه و إعطائه للغير. إذا أعطيت حبا يرد إلي حبا بصور مختلفة، إذا أعطيت مالا يرد أيضا رزقا بصور مختلفة…و هكذا. و مشكلة الإنسان هي في رغبته الملحة للأخذ دائما و قد عامل الله الأضداد بأن وازن بينها، لم يلغي واحدة لحساب الأخرى. فلم يلغي الله الظلام مثلا ليظل النور فقط أو يلغي الشر في نفوسنا ليظل الخير فقط بل جعل الخير و الحق في الميزان. وازن بين الأضداد ليجعلهم مكملات لبعضهم البعض فيكون الخلق و تكون الحياة و الوعي و الإدراك فالشيء يدرك بعكسه و لو لم نرى الظلام لما عرفنا النور. و يتضح هذا في كل شيء من حولنا و تتحدث به الذرة مثلا و هي أصغر نواة خلق. تتكون الذرة من دائرة بها شحنتين موجبة و سالبة و نقطة مركز. توجد إحدى الشحنتين بالقرب من المركز و الأخرى تدور حولها في دائرة منتظمة. هناك حركة منظمة للعلاقة بين الشحنتين فلا تجعلهم يقتربوا من بعض كثيرا فيلغوا بعض أو يبتعدوا عن بعض كثيرا فلا يتعاملوا مع بعض و بالتالي لا يكون هناك خلق. هذه الحركة المنظمة تأتي من نقطة المركز و هي نقطة خارج الزمان و المكان، غير محدودة بالعالم المدرك المقيد بحواسنا الخمس كالعقل، هي نقطة الاتصال بالحكمة لذلك فهي الوحيدة القادرة على إدخال التوازن في كل شيء. إذن لنجد حل لرغبة الإنسان الدائمة في الأخذ يجب أن نزنها بضدها و هو العطاء من خلال ربطهما و العلاقة بينهما بالحكمة المطلقة أي باللجوء إلى الله و إقامة الصلة مدركين قصورنا و طالبين بإرادتنا أن يتولنا هو فيحدث الاتزان به فقط. كلما أعطى الإنسان كلما قلت رغبته في الأخذ و هذا قانون يجب علينا استيعابه جيدا و العمل به في كل أوجه حياتنا. فليعلم من يريد علما أنه يجب أن يعين غيره على الفهم و التعلم، و من يريد عدلا أن يعدل و لا يظلم، ومن يريد حبا أن يمرن قلبه على استيعاب كل خلق الله بكل اختلافاتهم و ما يظهر له من نواقص فيهم لأنه مهما إن كبر و كمل فهو ناقص. و ليعلم من يريد القربة من الله أنه يجب أن يعين غيره على التقرب من الله فيجتهد ألا يكون أداة فتن و أحقاد بل أداة حب و عين ترى أوجه التشابه و الوحدة و الاتفاق بين الناس و تسمو عن الاختلافات و التشتت و الفرقة، عين تجمع و لا تفرّق. هذا هو دور الإرادة الحقي الصعب. يجب أن يفهم الإنسان أن عقله محدود جدا و أنه يجب أن يتيحه لتلقي نور القلب و التسليم له لأنه هو مفتاح الصلة بالحقيقة، و الحقيقة هي التي ستمنح العقل فهما أسمى كلما طلبها. و دور الإرادة هنا هو أن تتيح العقل و تمنعه من الكبر، فالكبر يمنعنا من رؤية آيات الله في الآفاق و في أنفسنا. أسمى استعمالات الإرادة هو في ترويض نفس الإنسان بالداخل و الوصول بها إلى حالة الرضا و إلا فسوف يكون المظهر الخارجي فارغ من أي محتوى و سيكون مجرد إدعاء لشيء غير موجود. و يفاجأ الإنسان بعد الانتقال من هذه الحياة برغباته و شهواته الدنيوية أصحابا له في سفره لا يفترق عنهم أبدا لأن جهاد النفس يكون هنا في الحياة الأرضية حيث فرص الكسب و الجهاد الأكبر فالرقي.
|
||||