|
الحياة به ليست بدونه |
||||
|
أحمد عبد الرحمن قد لا يكون بي من الوعي ما يجعلني قادراً على إدراك هذا المعنى الكبير في المعلم . لكن ما أعطنيه من قوةٍ .. أو من طاقةٍ .. أو من نورٍ .. فهو لقادر على أن يُشعِرُني بهذا المعنى وإن لم أُحِط به . ربما كان السبب في شعوري هذا هو وجود النسبية في درجات الوعي عند إنسان دون غيره . تماماً كوعي طفل صغير بجوهر حقيقةٍ ما ، فهو في حداثةِ سنه لا يعي عنها الكثير ، وقد لا يعي عنها شيئاً ، لكن كلما ازداد نموه ، ازداد وعيه بها . حتى يُصيب جوهرها إذا ما بلغ وعيه من النضج السبيل إلى ذلك. ومن ثم فإن حديثي ما هو إلا فهم أو شعور على قدر ما بلغت من وعي . ولهذا فلست بمتحدث عن معنى المعلم هنا ولكن أتحدث عما وَضُحَ لي من أهمية وجود المعلم في حياة الإنسان . فهي أهمية لا يدركها سوى فردين :- فردٌ عاش في كنف معلمه ورحابه فشعر بها وأدركها ، وأخرٌ يحيا باحثاً في اشتياق عن معلم حقي فسارت ضالته .. إن المتأمل في مظهر الرسالات السماوية يرى إشارةً واضحةً لضرورة اتباع الرسل والأنبياء كمعلمين حقيقيين ، آخذين بمن أراد من التابعين القائمين إلى صراط مستقيم قاموا فيه فأصبحوه وما كان لأحدٍ أن يعرفه ويصله إلا بهم .. وليس بالضرورة أن يكون المعلم رسولاً أو نبياً .. فوجوه الحق دائماً هم رجالٌ تحققوا به .. وقد أشار إلى هذا المعنى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن الخلافة لعلي ابن أبي طالب فقال للسائلين إنه إذا ما وليها لكان آخذاً بهم إلى الصراط المستقيم .. وإن إتباع سُنن وتعاليم الرسل والأنبياء بعد انتقالهم كمنهج يستقيم به من أراد لهو أكثر السبل إقناعا على أنه معنى للتجلي الإلهي ، بما وضح فيهم من قيام حقي ونور ورحمة يسري بهما من أراد الرشاد .. وليس بما يتضح للمتأمل فقط تعرف تلك الضرورة لإتباع المعلم .. إذ أن هناك من الدلائل ما يوضح تلك الضرورة وقد تتجلى منها تلك المعاني الحقية المنطوية في ذات المعلمين الحقيين ، وهناك من الآيات التي تستوجب هذا الإتباع حسبما أرى قوله تعالى " هو الرحمن فاسأل به خبيرا " وهذا يعني أن هناك دائماً هذا المعلم أو الخبير في كل زمان ، وأما الإشارة لإتباعه فهي في قوله " فاسأل " فليس للسائل أن يجتمع مع المسئول لسؤال وجواب ثم يفترقان . وإنما السؤال هنا يعني لي أنه متابعة وتعلم وعمل ثم قيام ، إنها حياة أخرى تبدأ عندما يبحث المرء عن بداية لبدئه وكيف يبتدئه .. وهذا ما أفهمه من قول السيد رافع حيث يقول (فلابد لمن عرف بدأه فلم يرتضيه أن يتخلص منه إلى بدء عند غيره يستهويه ، فيبعه نفسه ليفني فيه ، فيكونه فيستردها فيشتريه ) (1) .. إذاً فالبداية هي أن أبدأ ، ودائماً تكون تغييراً وفي هذا قوله تعالى " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .. صدق الله العظيم إن عين الرحمة على هذه الأرض هي أن يهتدي الإنسان إلى رحاب معلم حقي يصفه الخبير بأنه خبيرا فيتجلى للرائي في حضرته هذه اللمحة الرحمانية والنورانية بما فيه من تجليات لمعاني الحق الإلهية. هذه معانٍ وضحت لي من آيات وأحاديث شعرت بها بتلك الرحمة .. فتتجلى تلك اللمحة النورانية كمعنى من خلال الربط بين كلمتين وردتا في حديثين قدسيين شَعُرت من خلالهما بما لا أستطيع وصفه . ربما كانت أقرب الكلمات وصفاً هي أني شعرت بأن المعلم هو عبدٌ رباني تتجلى فيه صفات لا أحيط بوصفٍ لها .. فيقول الحق ( إن لله كنوزاً مفاتيحها الرجال ) ويقول أيضاً (كنت كنزاً لم أُعرف فأحببت أن أُعْرف فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فعرفوني ). فأي كنوز تلك التي قُصدت ؟ ومن هم إذاً هؤلاء الرجال عند الرحمن ؟؟ تأملت إجابةً لهذا السؤال فَوُضح لي ما سبق وربما كان هناك الكثير ليتضح لي ولكم .. وأما عن الرحمة في الجلوس إليه تتضح من قوله تعالى " أيحسب الإنسان أن يترك سدى " تلك آية سمعت لها من التفاسير أو المفاهيم ما يجعلها توعداً ووعيداً لكن ما أن تذكرت حديثاً أخر يقول ما معناه "يبعث الله على رأس كل قرن من يجدد للناس أمور دينهم " حتى رأيتها كتبشيرٍ فيه رحمة وسكينة .. فالتأكيد في الآية يأتي على أن الإنسان لم يخلق ويترك في الدنيا هباءً يفعل ما يريد دون هادٍ أو مرشد ، وإنما يكون هناك دائماً وأبداً هذا المعلم – المرشد – الإمام أو أياً كان مسماه مبعوثاً ورحمة مهداه . يهتدي به من ضل فأراد الهدى ، ويَرْشُد به من هوى فأراد الرشاد . فليس في السماوات والأرض من شئ تُرك سدى " إن كل شئ عندنا بمقدار " صدق الله العظيم . فكيف إذا يترك الإنسان وحيداً شارداً يتخبط في ظلمات جهله إن جَهِلْ . فإن كان كذلك حقاً وقد تُرك ، فهو إذاً في حجاب عن العذاب كقوله تعالى " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً " صدق الله العظيم . فالرسول هو معنى للتجلي الحقي والرحمة المهداة في أرضنا يتجدد بدوام مادامت السماوات والأرض ، فالحمد لله أن هدانا إلى هديه ورحمته والله نسأل أن يجعلنا أهلاً لها دائمين وبه نرقى فيه قائمين فحمداً لله رب العالمين .
(1) ك " من وحي يثرب " صــ47 فقرة 1
|
||||