|
للحياة لغات كثيرة فهل تعلمناها رافع السلاموني الموسيقى لغة يفهمها البشر جميعا في كل أنحاء الأرض، فحينما نرجع الى المعاني المعبر عنها بذبذبات الموجات الموسيقية المختلفة في درجات السلم الموسيقى نجد أنها قادرة على التعبير عن المشاعر الإنسانية بصورة تجريدية أكثر بكثير من الكلمات والحروف.. فليس المهم أن نفهم بقدر ما نستشعر المعنى في وجداننا.. وإن نحن تعمقنا قليلا لوجدنا أن في الكلمات والحروف موسيقى خفية تؤثر في الإنسان قبل أن يتأثر بمدلول الكلمة الحرفي.. وهذا نجده واضحا جدا في آيات القرآن الكريم.. فمثلا الآية {إن بطش ربك لشديد} هنا نغمة تعبر عن الهول والجبروت.. {إنه هو الغفور الودود} هنا نغمة تعبر عن الرحمة واللطف.. {إنه فعال لما يريد} هنا نغمة تعبر عن الإرادة الكلية الشاملة للمعنيين.. فعندما يمر الإنسان بهذه المعاني ويريد أن يعبر عنها بالأحاسيس نجد الموسيقى أحسن وسيلة يمكن التعبير عن ذلك.. ونحن بداخلنا ما ينعكس على الخارج وفي خارجنا ما ينعكس على الداخل.. فترنم الإنسان مع الطبيعة يعني أن الإنسان له صلة مباشرة بالمجال الذي فيه تواجد ومنه كان وإليه يكون.. فالحياة حركة دائمة تعبر عنها دقات القلب.. فهي تقول للإنسان أن الحياة لا تعرف السكون ولا تعرف الجمود ولكنها في دوام حركة وفي دوام صعود وهبوط وتفاعل وصراع وحب وكره ونور وظلام ورعد وبرق وربيع وصيف إنها حياة الإنسان التي تتوافق وتتناغم مع حياة الطبيعة التي يحيى في ظلها.. وهنا يقول شوبنهاور الفيلسوف الألماني.. (والإنسان وحده من دون الكائنات يملك عقلا مفكرا وبصيرة يميز بها هذا من ذاك، وهو وحده قادر على أن يحقق ما يشاء من إرادة بواسطة إمكانياته العديدة وعلى هدي من تجارب سابقة عاشها.. وعليه أن يستفيد منها في تحقيق أفعاله المستقبلية وقد عبرت السيمفونيات العالمية عن هذا الإنسان من مجهود في تحقيق الهدف الذي يريده فإذا ما وصلنا الى نهاية المقطوعة وجدنا أن النغم حقق المعنى وأظهره وفي ذلك ما يدل على أن الإنسان قد حقق هدفا من ملايين الأهداف التي شحنت بها إرادته..) فنحن في حاجة ماسة إلى أن ننمي هذه الفطرة فينا وهي أن نعرف كيف تتناغم حياتنا مع حياة الكون المحيط بنا فنكون في وحدة واحدة.. من البرق والرعد يكون المطر والخير .. ومن الشلالات الجارفة تكون الأنهار .. ومن العواصف يكون مظاهر التكاثر والتغير والتطور .. ومن الليل يكون النهار .. ومن الشتاء يكون الصيف ومن الأدنى يكون الأعلى.. ومن الجهل يكون العلم.. إنها المتناقضات التي لو عرفنا كيف تتوافق وتتآلف فيما بينها لكانت تعبيرا صادقا عن الحياة التي يحيا فيها الإنسان.. فصار هو نفسه قطعة موسيقية تتناغم فيها جميع الألحان كما أبدعها خالقه وخالق الأكوان.
|
||