|
|
||
|
|
||
|
تراثنا الإسلامي زاخر بالثقافة الروحية التي أبرزها الأدب الصوفي الأصيل في أجمل صورها. فقد نحا كبار المتصوفة المسلمين منحى خاصا في تفاعلهم مع الرسالة الإسلامية تكامل مع سائر العلوم وأثراها بلا تناقض. لقد لمست التعاليم الإسلامية شغاف قلوبهم وأيقظت في الروح معان جميلة، وأنارت عقولهم بعلوم عن الإنسان كروح .. علوم كشفها التذوق والإحساس بالجمال. وبهذا الإحساس قرءوا أبعادا عميقة في أنفسهم وفي التعاليم مما ينفع الإنسان المهتم بالتحقق الروحي. ونحن نقدم في هذا العدد نموذجا صغيرا من الأدب الصوفي نرى فيه تذوقا عن معنى الإنسان، وكيف أن جوهر الإنسان هو ذلك الوجود اللطيف الذي يبحث عن غذائه في الحكمة والعلوم والعبادة، وهو القادر على التمييز بين ما هو حقيقي دائم وما هو زيف زائل. ويلمس الرومي جوهر علاقة الإنسان بالله وهو يصف الصلاة بأنها أقرب طريق إليه سبحانه وتعالى، لكن معناها لا يقف عند الجوارح، إنما هي أيضا "روح" أو "قلب" يحمله "القالب" أو الشكل المنسكي. ونراه يصف روح "الصلاة" بأنها موت كامل عن هذه الحياة الدنيا، فكأنه يعيش في صلاته المنسكية معنى الحديث الشريف "صلِ صلاة مودع" ويتذوق بوجوده كله معنى "موتوا قبل أن تموتوا". ونقرأ تأمل شاعرنا العظيم في قصة ميلاد المسيح عليه السلام من العذراء مريم فنجدها قد حملته إلى تجربة روحية تتجاوز الواقع المادي الملموس فيقرأ في "ألم المخاض" الذي انتهى بميلاد عيسى الكريم، معنى التطور الروحي للإنسان الذي يكون بمثابة ميلاد جديد له والذي يسبقه بالضرورة معاناة وآلام تبشر به. وهنا يعطي صورة مجازية تصبح فيها "مريم" البتول" رمزا للإنسان الطاهر روحيا رجلا أم امرأة و"عيسى" رمزا للمعنى الكريم الذي يتم ميلاده أي المعنى الطاهر الذي يتحول إليه كل إنسان صار كامل الطهارة فاصطفاه الله برحماته ونفحاته. كما يعلمنا شاعر التصوف العظيم أن نكتشف عيوبنا التي نحتاج للشفاء منها من خلال رؤيتها في "المرآة" أي إخواننا المؤمنين. فنحن حين نشتعل غيظا مثلا من "أنانية" أحدهم فإن هذا يعني أن داخلنا بعضا من هذه الصفة التي استطعنا بها التفاعل معها كما تجلت لنا في الآخرين لأنهم بمثابة المرآة لنا. وهنا يصبح هذا الضيق علامة صحية إذا ما انتبهنا إلى هذه الصفة داخلنا وقرأنا في ضجرنا منها إشارة إلى عتاب العظيم سبحانه وتعالى لنا عتاب حبيب لحبيب. أي أنه فتح الطريق لمن يحب أن يكتشف نقيصته ليتخلص منها. سيقول قائل: ولكن الإنسان يستاء أحيانا من نقيصة أخيه وليس بالضرورة أن تكون مثيلتها فيه. نتعلم من عباد الله الصالحين أن الإنسان المتحرر من نقيصة غيره تكون علامة هذا التحرر أنه يغض بصره عن سوءة أخيه، ولا يلومه أو يشعر بالأفضلية عليه بقدر ما يتمنى له الشفاء منها، وحينئذ لن يدعي لنفسه البراءة من تلك النقيصة إنما سيستغفر الله لأن بصره وقع عليها ولأنها قد تكون كامنة فيه ولا يدري. هذا تعامل مطلوب بين المؤمنين لأن المؤمن مرآة المؤمن ولكن ما هو طريق التعامل مع "الأعداء"؟ هناك مفتاح مختلف يعطينا إياه الرومي، فلنصحبه في قليل من كثير من الثروة التي تركها لعالمنا على وعد بأن نعود إليه من جديد.. في أعداد تالية
مقتطفات من كتاب: فيه ما فيه لشاعر التصوف الكبير جلال الدين الرومي
ولد مولانا جلال الدين الرومي في مدينة بلخ إحدى مدن خراسان سنة604هـ / 30 أيلول 1207م . وهذا الكتاب مجموعة من المحاضرات والمذاكرات والتعليقات يناقش فيها مولانا مسائل أخلاقية وعرفانية ويفسر آيات قرآنية وأحاديث ، وهي المباحث نفسها التي جاءت على نحو أوسع وأعمق في المثنوي (أشهر أعماله الشعرية) وفيها أمثال وحكايات مصحوبة بتعليقات مولانا . ويبرز الكتاب الثقافة الموسوعية لمولانا جلال الدين وعمق تناوله للقضايا وقدرته على استخلاص العبر والعظات من أشياء الحياة العادية كما يبرز روح الإسلام ومراد الحق سبحانه من الخلق في عرض شائق يخاطب الحس والوجدان والعقل والروح في وقت واحد . وقد قال الشاعر محمد إقبال : صير الرومي طين جوهراً من غبارى شاد كوناً آخراً وفي الفتوحات --- لمحيي الدين بن عربي يقول : كتاب فيه ما فيه بديع في معانيه إذا عاينت ما فيه رأيت الدر يحويه وهذا الكتاب مترجم من اللغة الفارسية وقد ترجمه الدكتور --- بن علي العاكوب نقدم منها لمحات قصيرة الحجم .. ثمينة المعنى الإنسان .. جوهر .. وتمييز أنت ربيتَ هذا الجسم الذي لا تمييزَ فيه . التمييزُ هو الصدفةُ المكنونة في الإنسان. ألا ترى أن المجنون تكون له يدٌ وقدمٌ ، ولكنه لا يمتلك التمييز ؟ التمييزُ هو المعنى اللطيف الذي فيكَ وقد كنتَ ليلاً ونهارًا منشغلاً بتغذية ذلك الجسم الذي لا تمييز لديه . وتتعلل بأن ذلك إنما يقوم على هذا . وبرغم ذلك فإن هذا أيضًا قائمٌ على ذلك . كيف كرسْتَ كل طاقاتك للاعتناء بهذا الجسم وأهملتَ تمامًا الجوهرَ اللطيفَ ؟ والحقيقة أن هذا الجسم إنما يقوم على ذلك الجوهر ، وذلك الجوهرُ لا يقوم على هذا الجسم . " أبيتُ عند ربي يطعمني ويسقيني " . في هذا العالم الوضيع نسيتَ ذلك الغذاء السماوي ، وشغلت بهذا القوت المادي . وأخذت ليلاً ونهارًا تغذي جسمك . والآن فإن هذا الجسم هو جوادُك ، وهذا العالم الوضيع إصطبلك . إن غذاء الفرس لا يكون غذاءً للفارس ؛ إذ إن للفارس نوعًا خاصًا من النوم والطعام والتنعم . ولكن لأن الحيوانية والبهيمية غلبتا عليك تخلفتَ مع جوادك في إصطبل الخيل ، ولم يكن لك مقامٌ في صف ملوك عالم البقاء وأمرائه . قلبك هناك ، وعندما غلب عليك الجسدُ صرتَ خاضعًا لُحكمه , وبقيتَ أسيرًا له . الإنسان شئٌ عظيم ؛ فيه مكتوبٌ كل شئ ، ولكن الحجبَ الظلمات لا تسمح له بأن يقرأ العِلْمَ الموجود في داخله . والحجبُ والظلمات هي هذه المشاغل المختلفة والتدابير الدنيوية المختلفة والرغبات المختلفة . وبرغم أنه غارقٌ في الظلمات ومحجوب بالستائر يستطيع أن يقرأ شيئاً ويستنبط منه . تأمل عندما تُزال هذه الظلماتُ والحجب أي طراز من المستنبطين سيكون ، وأي علوم سيكتشف في داخله . وبعد ذلك كله ، كل هذه الحِرَف ، من خياطة وبناء ونجارة وصياغة وعِلْم ونجوم وطب وغير ذلك مما لا يُعد ولا يحصى من حِرَف الإنسان ، انكشف من داخل الإنسان ، ولم تنكشف من الحجر والطين اليابس . فإنهم يقولون : " الآدميُ حيوانٌ ناطق " . وهكذا يتشكل الإنسانُ من شيئين . ما يغذي حيوانيته في هذا العالم المادي هو هذه الشهوات والآمال . أما ما هو خلاصته وجوهره الحقيقي فغذاؤه العِلْمُ والحكمة ورؤيهُ الحق . والحيوانيةُ في الإنسان تفر من الحق . أما إنسانيتُه فتفر من الدنيا . " موتوا قبل أن تموتوا "سأل أحدهم : هل هناك طريق أقرب إلى الله من الصلاة ؟ فأجاب : الصلاة أيضاً ولكن التي ليست هي هذه الصورة الظاهرة فقط هذه (قالب) الصلاة ، لأن لهذه الصلاة بداية ونهاية ، وكل شئ له بداية ونهاية يكون قالباً . لأن التكبير بداية الصلاة، والسلام نهايتها . ومثل ذلك "الشهادة"، فإنها ليست الصيغة التي تقال باللسان فقط ، لأن تلك الصفة أيضاً لها بداية ونهاية ، وكل شئ يُعبر عنه بالحرف والصوت ويكون له أول وآخر ، يكون صورة وقالباً ، أما "روحه" فغير محدد ولا متناه وليس له أول ولا آخر وثمة شئ أخر أن هذه الصلاة أظهرها الأنبياء والآن فإن نبينا (صلعم ) الذي أوضح لنا هذه الصلاة هكذا يقول : " لي وقت مع الله لا يسعني فيه نبي مُرسَل ولا ملك مقَرّب " وهكذا تحققنا من أن (روح الصلاة) ليس هو هذه الصورة الظاهرة فحسب ، بل هو استغراق تام وغياب تبقى فيه هذه الصور جميعاً خارجاً ، ليس لها مكان هنالك . " المخاض الموصل "إن الألم هو الذي يوصل الإنسان في أي عمل . وما لم يظهر في داخله ألم ذلك الشئ وهوسه وعشقه فلن يقصد إليه ولن يتيسر له ذلك الشئ دون ألم سواء أكان ذلك الشئ نجاحه في هذه الدنيا أن نجاة في الآخرة وسواء أكان تجارة أم ملكاً ، وسواء أكان علماً أم نجوماً . ولو لم تظهر الآم الوضع لمريم لما قصدت تلك الشجرة المباركة فجأها المخاض إلى جذع النخلة ( مريم 19-23) ألجأها ذلك الألم إلى الشجرة ، والشجرة التي كانت جافة غدت مثمرة الجسم مثل مريم ، وكل منا لديه "عيسى" في داخله ، فإذا حدث لنا الألم ولد "عيسانا" ، وإذا لم يحدث الألم فإن عيسى سينضم ثانية إلى أصله بذلك الطريق الخفي الذي أتى به ، فنبقى محرومين ولا نصيب لنا منه . الروح في الداخل في فاقة والجسد في الخارج في سراء ، الشيطان من تخمته يتقيأ وجمشيد لا يمتلك حتى الخبز والآن تداو ، فإن مسيحك على الأرض . إذا عندما يعود المسيح إلى السماء سيتبدد كل أمل بعلاجك .
المؤمن مرآة المؤمن "
قال أحدهم : أنا مقصِّر أجاب مولانا : عندما تعن هذه الفكرة للإنسان ويعاتب نفسه قائلاً : آه فيم أنا ، ولماذا أفعل مثل هذا ؟ يكون هذا دليلاً على حب الله إياه وعنايته به : ويبقى الحب ما يبقى العتاب ( -- لأبي تمام ) ذلك لأن العتاب يكون للأحبة ، ولا يكون عتاب مع الغرباء والآن فإن هذا العتاب متفاوت أيضاً . فعند من يؤلمه العتاب ، ويكون لديه خبر منه يكون دليل محبة وعناية في حق هذا الإنسان . أما عندما يمضي العتاب ولا يؤلم المعاتَبَ فإنه لا يكون دليل محبة مثلما تضرب السجادة بعود الخشب لكي ينفض عنها الغبار، فإن العقلاء لا يسمون هذا ( عتاباً ) أما عندما يضربون ابنهم ومحبوبهم فإنهم يسمون ذلك ( عتاباً ) ويظهر دليل محبة في مثل هذا الموضع . ولذلك ما دمت تجد في نفسك ألماً وندماً فإن هذا دليل على عناية الحق بك ومحبته إياك . وإذا رأيت في أخيك عيباً فإن ذلك العيب الذي تراه فيه هو فيك أنت . العالم كالمرآة ، التي ترى فيها صورتك إذا المؤمن مرآة أخيه ، أبعد ذلك العيب عنك ، لأن ما يؤلمك فيه يؤلمك في نفسك. ثم واصل القول : أتوا لفيل على عين الماء لكي يشرب فكان يرى نفسه في الماء فينفر كان يظن أنه ينفر من فيل آخر غير دارٍ أنه إنما ينفر من نفسه . كل الخلائق السيئة من ظلم وحقد وحسد وحرص وقسوة وكبر ، عندما تكون فيك لا تتألم منها ، أما عندما تجدها عند شخص آخر فإنك تنفر منها وتتألم. ومثلما تنفر أنت من أخيك ، اعذره أيضاً إذا نفر منك وتأذى تأذيك عذر له لأن يأتي من رؤيتك تلك العيوب وهو أيضاً يرى العيوب نفسها ، فقد قال النبي : المؤمن مرآة أخيه ، فلم يقل الكافر مرآة المؤمن ، فالكافر ليس لديه تلك الخاصية لأنه ليس له مرآة لآخر ، ولا يعرف إلا ما يراه في مرآته هو .
الشكاية من الخلق شكاية من الخالق سُئل عيسى عليه السلام " يا روح الله أي شئ أعظم وأصعب في الدنيا والآخرة . قال : " غضب الله " .. قالوا :وما ينجي من ذلك ؟ قال : أن تكسر غضبك وتكظم غيظك. ذلك هو الطريق : عندما تريد النفس أن تشتكي ، على المرء أن يخالفها ، ويشكر ، ويبالغ إلى حد أن تحصل في قلبه محبة الآخر لأن الشكر المصطنع هو طلب المحبة من الله . هكذا يقول مولانا الكبير – قدس الله سره – " الشكاية من الخلق شكاية من الخالق " وقال أيضاً " العداوة والغيظ في داخلك خافيان عليك كالنار ، عندما ترى شرارة تطفر من النار : أطفئها لتعود إلى العدم الذي جاءت منه. أما إذا أمددتها بكبريت الجواب وتعبير المجازاة والرد ، فإنها ستجد الطريق ، وتنطلق مرة إثر مرة من العدم ، وعندئذ يغدو من العسير إعادتها إلى العدم " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " [المؤمنون 96] وهكذا يغدو في مقدورك أن تقهر غدرك بطريقتين: أن عدوك ليس هو لحمه وجلده ، إنه فكرته الرديئة ، عندما تدفع عنك بكثير من الشكر ستدفع عنه لا محالة أيضاً. الأولى تتفق مع الطبع . ذلك لأن " الإنسان عبد الإحسان " . الثانية : عندما لا يرى فائدة كما هي الحال لدى الأطفال : عندما ينادون واحداً منهم باسم فيرد بالشتم ، تتضاعف لديهم الرغبة في الزيادة قائلين في أنفسهم "ها قد آثر كلامنا" وعندما لا يرى العدو تغييراً ولا يرى فائدة لا يبقى لديه ميل . الطريقة الثانية : أنه عندما تظهر فيك صفة العفو هذه يُعلم أن ذمه كذب ، وأن نظر نظراً أعوج ، لم يرك وفق ما أنت عليه ويغدو معلوماً أن المذموم هو لا أنت. ولا حجة أكثر إلحاقاً للعار بالعدو من أن يغدو كذبه ظاهراً باديا ًللعيان . وهكذا فإنك بمدحه وشكره إنما تقدم له السم ، فبينما هو يظهر نقصانك إذا أنت أظهرت كمالك ، لأنك محبوب الحق " وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " [ آل عمران 134] محبوب الحق لايكون ناقصاً . امدحه كثيراً لعل أصحابه يظنون أنه لو لم يكن منافقاً في التعامل معهم لما كان منسجماً معك هذا الانسجام الكبير . إنتف لحاهم برفق برغم أنهم أقوياء ودُق رقابهم بقوة برغم أنهم طوال وفخام . وفقنا الله لذلك ..
|
||