مقدمة

الطفولة ما هي إلا بداية لرحلة علي هذه الأرض؛ هي في حقيقة الأمر رحلة قصيرة مهما طالت، يبدأ الطفل حياته بريئا، طاهرا، مستطلعا لكل ما حوله، مندهشا في بعض الأوقات و مستمتعا في أوقات أخرى. يغضب و يثور حينما نعارضه و يفرح و يضحك حينما نلبي طلباته. ينمو فيصبح شابا يافعا، ثم يصير رجلا ناضجا، ثم ينتهي به الأمر إلي بلوغ سن الشيخوخة و من ثم يبدأ رحلة العودة إلي عالم الغيب و الشهادة.

 أثناء رحلة العودة، يمر بمراحل عدة و يعيش بين أحضان الطبيعة التي تتسم بالجمال و القبح في نفس الوقت؛ يتلوث و يتطهر، يتألم و يفرح، يصيب و يخطئ، ثم يترك هذه الأرض عائدا من حيث أتي.

في حقيقة الأمر، لا أستطيع أن أحدد سببا واحدا دعاني إلي كتابة هذه القصة،  و لذلك سوف أترك لك أيها القارئ العزيز  استنباط لماذا قررت أن أكتب كل ما بداخلي و كلي أمل في أن أوفق في أن تصل إليك الرسالة التي أعتقد أنها مجرد اجتهاد شخصي لمخلوقة وجدت نفسها علي هذه الأرض.

بالرغم أن الأحداث في هذه القصة واقعية إلا أنني وجدت أيها القارئ ا لعزيز أنه لا بد من وجود شخصيات خيالية لتساعدني في توصيل بعض المفاهيم التي اكتسبتها من ملازمتي لأبي في فترة من الزمن؛ مرت و كأنها لمحة ولكنها أعطتني طاقة أشعر أنها ومضة لن تنطفئ أبدا حتى بعد ترك هذه الأرض و العودة إلى الأصل. هذه الشخصيات تتحاور و تتواصل فتصبح واقعا حيا؛ أتمنى أن نعيشه أثناء قراءة هذه الرؤية الذاتية لحياة عبد من عباد الله الصالحين، جاء و عاد إلي عالمه النوراني بعد أن ترك بصمته هنا بيننا، و ما زال حيا في قلوب أولاده و أحفاده و محبيه.

    

الفصل الأول

لماذا أرى هذا الشيخ مختلفا تماما عن إخوانه الشيوخ! أرى هاتين العينين اللتين ينبع منهما الحنان وكأنهما تبحران في بحر مملوء بالأمواج إنهما ينبوع لا ينضب من الحنان بل تتدفق منه الحياة ليروي حديقة بأكملها.. إنه مملوء بالحيوية والشباب، شباب دائم وفكر متطور وحب كبير  لكل الناس. هيا بنا نعود إلي بداية تواجده علي هذه الأرض..

بداية القرن العشرين .. كان ميلاده

 

الطفل الشيخ

هل النظر إلى السماء الصافية يعطي هذه الراحة التي ملأت وجدان وقلب تلك السيدة البسيطة التي تتمتع بجمال هادئ ووجه مضيء وعينين زرقاوتين تلمعان في هذا الوجه ذي الجمال الرباني؟ إنها تنتظر وصول ضيف قادم من عالم الغيب والشهادة هو وليدها الذي من المنتظر أن يدق الباب ربما بعد يوم أو بعد عدة أيام..

-       رفعت السيدة عائشة رأسها إلى السماء وتمتمت

-         السماء لونها جميل قوي.. يا ترى عنين ابني ها يكون لونها جميل كده؟ .. أنا بأدعي كل يوم إن ربنا يديني ولد عينيه زرقة  وصالح .. أصل الصلاح أهم حاجة .. يا رب إنت عالم بي. وفجأة تذكرت أنها لم تتناول طعام الإفطار.. فصاحت بصوت غاضب بعض الشيء..

-        نظيرة إنت فين.. ليه ما حضرتيش الفطار أنا حا أموت من الجوع.. إنت دايما نايمة على ودانك كده ..يللا بسرعة..

-        دخلت نظيرة مهرولة وظهرت على وجهها علامات الخوف لأن سيدتها تتسم بالعصبية إلى حد ما.. ولكنها سيدة ذات قلب رحيم  ولذلك تهتم نظيرة أن تنال رضاءها.. فقالت..

-        حالا يا ست هانم.. الفطار سيكون جاهز حالا.. أنا ما أقدرش أزعلك أبداً..

-       في حجرة أخرى بنفس المنزل جلس علي الأريكة رجل نستطيع أن نقول أنه في نهاية العقد الخامس من العمر يمسك بمسبحة حباتها بنية اللون وصغيرة. إنها ليست مسبحة عادية لأن حباتها ألف حبة، وبنظرة سريعة إلى الأثاث نجده بسيطا: سرير بأربعة عمدان ودولاب صغير وسجادة صغيرة تتوسط أرض الحجرة التي تتسم بالنظافة ومنسقة تنسيقا جميلا. كان الشيخ محمد يذكر اسم الله في خشوع لافت للنظر. وبنظرة إلى وجهه تجد نفسك تشعر براحة غريبة فالوجه به مسحة من الطيبة بالرغم من أن قسماته كبيرة بعض الشيء.. لا نستطيع القول بأنه وجه رجل وسيم ولكن لا نستطيع أيضا أن نقول أنه قبيح. في عينيه حزن دفين ممزوج بنظرة إيمان وتسليم لكل ما تجيء به الأقدار، إنه صورة عكسية تماما للسيدة الصغيرة الجميلة الجالسة في الحجرة الأخرى بجوار النافذة تتأمل الكون والسماء. هذا الشيخ الجليل هو زوج هذه السيدة الصغيرة والأب للطفل المنتظر.

-        تدخل نظيرة حاملة صينية عليها فنجان من القهوة وكوب من الماء المثلج يشكرها الشيخ

-       شكرا يا ابنتي، ويرشف شفطة  من القهوة ثم ما يلبس أن يستغرق في تفكير عميق. إن زوجته الصغيرة الجميلة تظهر له دائما ورغما عنها أنها لا تحبه كزوج ولكنها تحترمه وتحبه كأب لأولادها المنتظرين وهو يعلم جيدا أنها غلبت على أمرها وتزوجته بناء على رغبة والديها.. فالفتاة في ذلك الزمن البعيد كانت لا تستطيع أن تعبر عن رأيها وتقول لا فنحن في أواخر القرن التاسع عشر.. إنه يكبرها بما يقرب من الثلاثين عاما وحينما تزوجها كان أرملا وله ولدان في سن الزواج. هو يحبها .. بل يعبدها  ولا يستطيع فراقها ولو للحظة واحدة.. إنه يتألم من أجلها لأنه يشعر أنها غير سعيدة وليس في يده شيء يفعله إلا أن يظهر لها حبه وحنانه. حب الزوج وحنان الأب.. فربما يكون هذا مخففا لآلامها بعض الشيء..

ما أجمل عينيه!

-       نظرت عائشة في عيني وليدها ثم رفعت رأسها إلى السماء وهللت حمدا لله حمدا  لله وصلاة وسلاما عليك يا سيدي يا رسول الله.. جاء المولود بعينين زرقاوتين.. كما كانت تتمنى عائشة وكأن باب السماء كان مفتوحا فاستجاب الله لدعائها..

-       حمدا لله على سلامتك يا سيدة عائشة..

-       الله يسلمك يا سيد محمد..

كلمة سيد في ذلك الوقت كانت تقال  لمن هو  من نسل الرسول عليه الصلاة والسلام فقد كان السيد محمد منسبا وفي حقيقة الأمر هو وعائشة  أحفاد للرسول ولذلك جاء الوليد من أبوين منسبين كريمين..

-       جاء صوت السيد محمد مرتجفا بعض الشيء به رنة فرح ممزوجة ببعض الخوف. ربما هو خوف من المجهول ربما كان قلقا لأنه ليس من المفروض أن رجلا في سنه يضع نفسه في مثل هذه الظروف فهو في نهاية العقد الخامس وطفله الوليد يحتاج لأب شاب متفتح للحياة.. هو يشعر أنه يودع الحياة وهذا الطفل يستقبلها.. فهل يلتقي الربيع والخريف ؟ كانت لحظة ضعف حينما ارتبط بهذه الفتاة الصغيرة الجميلة.. وهو يطلب من الله العلي القدير أن يغفر له ضعفه.. هل هو أخطأ؟ هل ما فعله خطيئة؟ ووجد نفسه يقول بصوت خاشع..

-        ربنا يجعله طفلا صالحا مباركا إنه يشبهك شبها كبيرا يا سيدة عائشة ما أجمله. وكأنه يغازلها بطريقة غير مباشرة حينما تفوه بهذه العبارة وابتسمت عائشة في سعادة وقالت:

-        يسمع من بقك ربنا، أنا النهاردة سعيدة جدا.. لأن الله من علينا بهذا المولود الجميل أنا حاسة إني اتولدت من جديد.. عندي يقين أن هذا المولود سيملأ حياتي بهجة وسعادة،

-        ارتبك السيد محمد بعض الشيء واعتصر قلبه ألما.. فقد تذكر أن زوجته الجميلة الشابة تعاني من حياتها معه وأنب نفسه وكأنه مصدرا للشقاء والألم وامتلأت عيناه بالدموع ولكنه تمالك نفسه وحاول  بكل جهد إخفائها ووجد نفسه يردد

-       ربنا يخليه ويبارك فيه ويقدرنا على تربيته تربية صالحة إن شاء الله..

-       أما عائشة فكانت تفكر في شيء آخر تماما..

-        إنت ليه شكلك مش مبسوط يا سيد محمد المفروض انك تبقى أسعد واحد في العالم ده أنا ها أعمل سبوع يتحاكى به كل حبايبنا وأقاربنا،،

-        أنا الفرحة مش سيعاني يا عائشة لكن إنت عارفة ساعات الفرحة يبقى معاها شوية خوف وقلق.. وكأني مش مصدق هذا الكرم من الله سبحانه وتعالى.. زوجة صالحة وجميلة وطفل منها بهذا الجمال ده كرم من ربنا كبير قوي الحمد لله الحمد لله،،

-        عارف يا سيد محمد الطفل ده جميل بس الحكاية مش حكاية جمال.. مش حكاية جمال وبس أبدا.. وشه فيه شيء غير عادي مش عارفه أنا أعبر عنه.. وشه منور.. منور كده اللهم صلي على النبي وعينيه عاوزة تقول حاجة فيها تعبير مش في عينين اللي في سنه أبدا..

-        إنت قولتي كل اللي جوايا إنت عبرتي عن كل اللي جوايا.. أنا فعلا حاسس بكده بس مش عارف أعبر..الحمد لله والشكر لله..

-       خرج السيد محمد من الحجرة ودموع الفرح في عينيه تاركا الأمور تسير كما يريدها الله متعشما خيرا في الرحمة والكرم من العلي القدير..

-       كانت عائشة مندهشة بعض الشيء لأن زوجها يبدو مهموما أكثر منه فرحا ورددت:  مش عارفة السيد محمد ماله.. المهم دلوقتي نحضر للسبوع،  لازم نشتري الأبريق والشمع شمعة كبيرة ولازم تولع طول الليل ليلة السبوع ونشتري كمان السبع حبوب ونحطهم في الطبق اللي تحت الأبريق كمان لازم نجيب نقُل والعجل لازم السيد محمد يوصي عليه من دلوقتي ايوه.. لازم نفكر في كل حاجة من دلوقتي.

-        حينما خرج السيد محمد مهرولا ذهب للوضوء ثم دخل حجرته وصلى ركعتين لله وتناول المصحف الموضوع على المنضدة الصغيرة بجور الفراش وأخذ يرتل بعض الآيات من القرآن الكريم.. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(38)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39)رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ(40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ(41)وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42) صدق الله العظيم)..

كانت السيدة عائشة منهمكة في الاستعداد لسبوع مولودها الحبيب..

-       يا الله إعمل لك همة يا أسطى سيد.. أنا عاوزة سفرة ملوكي .. لحوم وفتة والملوخية .. وأهم حاجة لازم اللحمة تكون مستوية كويس وإلا أنت عارف ها يحصل لك إيه..

-        حاضر يا ست هانم كل حاجة ها تكون كويسة جداً ان شاء الله وها تكوني مبسوطة قوي قوي..

-        خالي والست حرمه نفيسة هانم ها ييجوا يحضروا السبوع وإنت عارف عاوزة الحاجة تشرف.

-       امتلأ المنزل بالأقارب والأصدقاء المقربين وأجمع الكل على أن هذا المولود له عينان مميزتان ووجه مضيء مشرق ومبتسم. قصت عائشة هانم على الحضور قصة لطيفة وغريبة في نفس الوقت.. القصة دي كانت السبب في أنها أصبحت تهاب هذا الطفل وتشعر أنه ليس كبقية الأطفال..

-        إمبارح وأنا برضّع حبيب قلبي رافع نظر إلي وأخذ يتأمل وجهي بنظرة فاحصة وكأنه شاب ناضج  وشعرت كأنه عاوز يكلمني وحسيت برهبة وخوف ولقيت نفسي بأحطه على السرير وجريت ورميت نفسي في حضن أمي وأنا بأترعش وقلت لها أنا خايفة يا أمي الولد بيبص لي كأنه رجل كبير وهدّتني أمي وقالتلي

-       هو بيبص لوشك الجميل وهو سعيد إنك إنت أمه.. فما تخافيش وحقك تكوني مبسوطة ومش خايفة. أنا باه رديت عليها وقلت:

-       لكن الطفل  المولود مش بيبص كده أبدا والله الولد ده غريب قوي بس أنا بأحبه قوي قوي قوي..

البقية العدد القادم

 

 

 
 

العودة لصفحة المحتويات